السعودية.... وأمنها القومي، كيف؟ وماذا؟ ومن أين؟
الثلاثاء - 13 يناير 2026 - 11:14 م
صوت العاصمة/ كتب/ فضل صالح
يُطرح مفهوم الأمن القومي السعودي اليوم بوصفه أحد أكثر المفاهيم حضورا في الخطاب السياسي والإعلامي الإقليمي، غير أنه في الوقت ذاته من أكثرها التباسا واضطرابا في التطبيق. فبين ما تعلنه المملكة من ثوابت أمنية، وما انتهجته عمليا في اليمن، تتبدّى فجوة واضحة بين الفكرة والممارسة، وبين ما يُفترض أن يحمي الاستقرار، وما أسهم فعليا في تعقيد المشهد وإطالة أمد الصراع.
من حيث المبدأ، لا خلاف على حق أي دولة، بما فيها السعودية، في حماية أمنها القومي، وحدودها، ومصالحها الحيوية. هذا حق سيادي تكفله الأعراف الدولية، وتبرره اعتبارات الجغرافيا السياسية، خصوصا حين يتعلق الأمر بحدود طويلة مع دولة تعيش حالة انهيار سياسي، وأمني شامل كما هو حال اليمن. لكن الإشكال لا يبدأ عند هذا الحق، بل عند كيفية تعريفه، وحدوده، والأدوات المستخدمة لتحقيقه.
منذ سيطرة جماعة الحوثي على صنعاء، نظرت الرياض إلى ما يجري باعتباره تهديدا مباشرا لأمنها القومي، ليس -فقط- بسبب البعد الحدودي، بل بسبب ما رأت فيه امتدادا لنفوذ إقليمي معادٍ. وعلى هذا الأساس، تدخلت عسكريا في اليمن تحت شعار إعادة الشرعية. غير أن الوقائع على الأرض سرعان ما كشفت أن *الشرعية* التي رفعت رايتها لم تكن قادرة على الدفاع عن نفسها، ولا على حماية الأرض، ولا على وقف التمدد الحوثي، لا شمالا، ولا جنوبا.
في تلك اللحظة المفصلية، لم يبدأ الأمن القومي السعودي من المؤسسات الرسمية اليمنية، بل من واقع مختلف تماما، من الجنوب، وتفككت الوحدات العسكرية التابعة للحكومة المعترف بها دوليا، تقدم الجنوبيون، مقاومة، وشعبا، للدفاع عن أرضهم. لم يكن تحركهم بدافع أجندة إقليمية، ولا خدمة لمشروع خارجي، بل بدافع وجودي واضح، حماية الجنوب من اجتياح عسكري، واستعادة كرامة سياسية مهدورة منذ عقود.
وقبل الدعم المباشر من التحالف، خاض الجنوبيون معارك قاسية، ونجحوا في هزيمة الحوثيين في الضالع، مما مهد لاعتراف التحالف بهم كقوة عسكرية حكومية موجودة على الأرض، ثم تحرير عدن بدعم مباشر من قبل التحالف بعد الاعتراف بهم، وبقية المحافظات الجنوبية، وأوقفوا التمدد الحوثي عند حدود فاصلة، وحموا الموانئ والممرات البحرية، وفرضوا واقعا أمنيا جديدا شكّل، في جوهره، خط الدفاع الأول عن الجنوب، وعن الحدود الجنوبية للملكة في آن واحد، وبمعيار المصالح البحتة، كان ذلك إنجازا يصب مباشرة في صلب الأمن القومي السعودي.
غير أن المفارقة الكبرى بدأت لاحقا. فبدل أن يتحول هذا الواقع إلى أساس لشراكة سياسية جديدة، قائمة على الاعتراف بالفاعلين الحقيقيين على الأرض، عادت الرياض لتتمسك بخطاب *الشرعية* بوصفه الإطار الوحيد المقبول، حتى بعد أن فقد هذا الإطار أي مضمون عملي. هنا بدأ التحول، لا في سلوك الجنوبيين، بل في المقاربة السعودية نفسها.
مع صعود الصوت الجنوبي سياسيا، وانتقاله من موقع المقاومة إلى موقع المطالبة العلنية بحقوقه، وقضيته، بدأ يُنظر إليه بوصفه عبئا سياسيا، لا رصيدا أمنيا.
لم يعد الجنوب شريكا في مواجهة الخطر، بل صار ملفا يجب احتواؤه، أو تحجيمه، أو استخدامه عند الحاجة ثم تجاوزه. ومع هذا التحول، انقلب الدعم إلى ضغط، والشراكة إلى خصومة، وانتهى الأمر بإعلان حرب سياسية وعسكرية على القوى ذاتها التي كانت حتى الأمس القريب تتولى حماية الأرض والممرات.
وقضت على خلايا الإرهاب.
وهنا يبرز السؤال الجوهري:
كيف يمكن لمفهوم الأمن القومي أن يستقيم، إذا كان يعاقب القوى التي وفّرت الأمن، ويتغاضى عن القوى التي فشلت في توفيره؟
وكيف يمكن الحديث عن استقرار إقليمي، بينما يتم تجاهل الوقائع الميدانية، والإصرار على صيغة سياسية فقدت معناها وفعاليتها؟
الأمن القومي، إذا أُفرغ من بعده الواقعي، وتحول إلى شعار يُستخدم لتبرير سياسات متناقضة، يفقد قدرته على تحقيق الاستقرار، ويتحول إلى عامل توتير دائم. وهو، في الحالة اليمنية، لا يمكن أن يُبني على إنكار الجنوب، ولا على تجاوز قضيته، ولا على خوض معارك ضده باسم كيانات لم تعد موجودة إلا في الخطاب.
إن أمن السعودية القومي لا يبدأ من فرض معادلات سياسية مرفوضة شعبيا، ولا من استعداء حلفاء الأمس، ولا من إدارة الصراع بعقلية الإنكار. بل يبدأ الاعتراف بالحقائق كما هي، وبالشركاء كما هم، وبأن الجنوب لم يكن يوما تهديدا، بل كان -ولايزال- أحد أهم عوامل الاستقرار الممكنة في جنوب الجزيرة العربية.
وحين يُعاد تعريف الأمن القومي بوصفه أمنا مشتركا لا أمنا أحاديا، واستقرارا قائما على الشراكة لا الوصاية، عندها فقط يمكن لهذا المفهوم أن يجد حدوده الطبيعية، وأن يتحول من ذريعة صراع إلى مدخل سلام.