وحدة الصف الجنوبي قوة لا تُنكسر
الأربعاء - 14 يناير 2026 - 12:55 ص
صوت العاصمة/ تقرير / مريم بارحمة
الجنوب ليس مجرد جغرافيا خاضعة لتقلبات الصراع، بل حالة وعي جمعي تشكّلت عبر التجربة، واشتد عودها بالألم، ثم نضجت بالحكمة. وفي ذكرى التصالح والتسامح الجنوبي، تتجدد واحدة من أهم المحطات المفصلية في التاريخ السياسي والاجتماعي لشعب الجنوب، محطة لم تكن استذكاراً للماضي بقدر ما كانت إعادة تعريف للحاضر، وتأسيساً لمستقبل يقوم على وحدة الصف، وتماسك الجبهة الداخلية، ورفض إعادة إنتاج الصراعات القديمة. لقد أثبتت التجربة الجنوبية، بما لا يدع مجالاً للشك، أن قوة الجنوبيين الحقيقية لا تكمن في السلاح وحده، ولا في التحالفات العابرة، بل في قدرتهم على توحيد صفوفهم، وإدارة خلافاتهم، وتجاوز جراح الماضي دون إنكارها أو توظيفها سياسياً. ومن هنا، تحوّل التصالح والتسامح من مبادرة اجتماعية إلى خيار وطني استراتيجي، ومن ذكرى سنوية إلى ثقافة سياسية وسلوك يومي.
-13 يناير من ذاكرة الصراع إلى وعي الوحدة
يمثل 13 يناير 2006 نقطة تحول تاريخية في مسار الجنوب، حيث لم يكن ذلك اللقاء مجرد مصالحة شكلية بين أطراف اختلفت في الماضي، بل كان لحظة شجاعة وطنية اعترف فيها الجنوبيون بأخطائهم، وقرروا أن الماضي – مهما كان مؤلماً – لن يُستخدم وقوداً لصراعات جديدة. في ذلك اليوم، أعاد الجنوب تعريف ذاته من حالة الانقسام إلى فضاء الوحدة، ومن منطق الثأر إلى منطق التسامح، ومن صراعات النخب إلى وعي المجتمع.
لقد كان ذلك اللقاء، الذي احتضنته جمعية أبناء ردفان في العاصمة عدن، شاهداً حياً على أن الجنوب قادر على صناعة وحدته من الداخل، دون وصاية، ودون حلول مفروضة من الخارج. ومنذ تلك اللحظة، بدأ الجنوب يستعيد روحه الواحدة، ويؤسس لرواية وطنية جديدة قوامها أن الاختلاف لا يعني الصراع، وأن إدارة الخلاف بالحكمة أقوى من أي انتصار عسكري.
-التصالح والتسامح كقوة ناعمة جنوبية
في عالم السياسة، لا تُقاس القوة دائماً بعدد البنادق، بل بقدرة المجتمعات على تحييد عوامل التفكك الداخلي. ومن هنا، برز التصالح والتسامح الجنوبي كـ قوة ناعمة أربكت خصوم الجنوب أكثر مما فعلت المواجهات المباشرة. فكل مشروع يستهدف الجنوب، أدرك مبكراً أن ضرب الجبهة الداخلية هو الطريق الأقصر لإضعاف القضية، وأن إعادة إحياء المناطقية، واستدعاء صراعات الماضي، هو السلاح الأنجع في معركة فرّق تسد. غير أن الوعي الجنوبي المتصالح أفشل هذه الرهانات، وحوّل التسامح إلى سلاح وحدة في مواجهة سلاح الفتنة. إن أي محاولة لتهميش دور التصالح أو تقزيمه ليست سوى محاولة مكشوفة لضرب هذه القوة الناعمة، وإفراغ المشروع الوطني الجنوبي من أحد أهم أعمدته الأخلاقية والسياسية.
القيادة ووحدة الصف شرعية تُبنى من الداخل
لا يمكن فصل شرعية القيادة الجنوبية عن قدرتها على جمع الشمل. فالتاريخ السياسي أثبت أن القيادات التي تفشل في إدارة التنوع الداخلي، تفقد شرعيتها مهما امتلكت من أدوات القوة. في هذا السياق، برز دور الرئيس القائد عيدروس بن قاسم الزُبيدي، الذي فهم مبكراً أن المعركة الحقيقية ليست فقط معركة سياسية أو عسكرية، بل معركة وعي وقلوب. ولذلك، سخر جهوده لرأب الصدع، وبناء الثقة بين أطياف الجنوب، وتحويل التصالح والتسامح من شعار إلى ممارسة وطنية مستمرة. لقد أثبت المجلس الانتقالي الجنوبي، بقيادة الرئيس الزُبيدي، أنه حاضنة سياسية جامعة، تستند إلى إرادة شعبية، وتستمد شرعيتها من الداخل، لا من الإملاءات الخارجية. فكلما تماسك الداخل الجنوبي، تعزز الموقف السياسي للجنوب في أي استحقاق تفاوضي أو سياسي.
-وحدة الصف خط الدفاع الأول
تُظهر التجربة الجنوبية أن الانقسام هو الهدية المجانية الأكبر للأعداء. ولهذا، فإن الوعي الجنوبي اليوم أكثر نضجاً، وأكثر حساسية تجاه أي خطاب يحاول بث الكراهية أو إحياء الصراعات القديمة. إن وحدة الصف الجنوبي ليست شعاراً إعلامياً، بل تجربة عملية أثبتت أن الجنوب عصيّ على الكسر متى ما كان متصالحاً مع ذاته. فالجبهة الداخلية المتماسكة هي التي تُسقط مشاريع الاحتلال، وتُفشل أدوات الضغط، وتمنح الجنوب قوة تفاوضية حقيقية. ومن هنا، فإن التصالح والتسامح لم يكن رد فعل لظرف عابر، بل خياراً استراتيجياً طويل المدى، يحمي الحاضر، ويؤسس لمستقبل لا مكان فيه للاقتتال الداخلي.
-التصالح والتسامح والسلم الاجتماعي
السلم الاجتماعي في الجنوب لم يكن صدفة، بل نتيجة قرار وطني واعٍ، جنّب المجتمع الانهيار، وحمى نسيجه الاجتماعي من التفكك. فحين يغيب التسامح، تنهار الدول، وحين يُستبدل الحوار بالإقصاء، تتحول الخلافات إلى صراعات مفتوحة.
لقد أدرك الجنوبيون أن السلم الاجتماعي ليس ترفاً، بل البيئة الخصبة التي تنمو فيها الدولة المستقرة. ولذلك، تحوّل التصالح والتسامح إلى بذرة الاستقرار، وإلى قاعدة أخلاقية للمشروع الوطني الجنوبي.
-التحديات الراهنة ومحاولات ضرب الوحدة
في ظل الضغوط السياسية، ومحاولات فرض مسارات لا تحظى بالإجماع الجنوبي، تتجدد أهمية التصالح والتسامح كصمام أمان. فـ أي مسار سياسي يُبنى على الإكراه أو الاحتجاز أو الضغط، يفقد شرعيته الأخلاقية، ويقوّض فرص السلام الحقيقي.
ويبرز هنا ملف احتجاز وفد المجلس الانتقالي الجنوبي في الرياض، كقضية سياسية وأخلاقية، تؤكد أن إدارة الحوار من موقع القوة لا تبني ثقة، بل تخلق أزمات مؤجلة. وقد عبّر الموقف الجنوبي بوضوح عن رفض أي تفاوض في ظل الإكراه، مطالباً بالإفراج الفوري عن الوفد، باعتبار أن لا حوار شرعي دون إرادة حرة.
-رسالة الجنوب إلى الداخل والخارج
في ذكرى التصالح والتسامح، يوجّه الجنوب رسائل واضحة، إلى الداخل: لا عودة لصراعات الماضي، ولا تساهل مع خطاب المناطقية، ووحدة الصف خط أحمر.
إلى الخارج: الجنوب شعب تصالح مع ماضيه، وتوحّد في حاضره، ويتجه بثقة نحو مستقبله، وأي محاولة لكسر هذه الوحدة محكوم عليها بالفشل.
لقد أثبت الجنوب أن السلام الداخلي أقوى من أي سلاح، وأن وحدة الإرادة أقوى من كل الضغوط، وأن المشروع الوطني الذي لا يقوم على قيم أخلاقية راسخة، مصيره الزوال.
-التصالح طريق الدولة
إن قضية الجنوب ليست مشروع صراع دائم، بل مشروع دولة. ولا تُبنى الدول بالكراهية، ولا بالانتقام، بل بالتصالح، والتسامح، ووحدة الصف.
لقد كان التصالح والتسامح الجنوبي انتصاراً من نوع خاص؛ انتصار الوعي على الجراح، وانتصار المستقبل على الماضي. واليوم، ومع تعقّد المشهد السياسي، تزداد أهمية حماية هذه القيمة، وتحويلها إلى سلوك يومي في الخطاب والممارسة.
فالجنوب الذي تصالح مع ذاته، لا يمكن كسره، ولا يمكن إخضاعه، ولا يمكن سرقة قضيته