مداد العاصمة



قراءة فلسفية في لحظة الوعي الجماعي الجنوبي

الجمعة - 23 يناير 2026 - 12:04 ص

قراءة فلسفية في لحظة الوعي الجماعي الجنوبي

صوت العاصمة / مقال لـ : سالم أحمد المرزقي


ليس كل خروج إلى الشارع حدثا سياسيا، وليس كل حشد جماهيري فعلا احتجاجيًّا بالمعنى السطحي للكلمة. ثمة لحظات نادرة في تاريخ الشعوب يتكثف فيها الوعي، وتتحول الجماهير من كتلة عددية إلى ذات تاريخية، ومن رد فعل إلى فعل مؤسس. في مثل هذه اللحظات، لا يعود الحراك تعبيرًا عن موقف آني، بل يصبح خطابًا وجوديًّا، تعيد فيه الجماعة تعريف نفسها، وتستعيد من خلاله حقها في تسمية أفعالها ومعانيها ومصيرها.

إن تحرك الجماهير الجنوبية، في قراءته الفلسفية، يتجاوز بكثير القول السطحي بان الخروج هو الدفاع عن شخص. لا يا سادة، أنه تجل للكينونة الجماعية الجنوبية في لحظة من لحظات الوعي بالذات. إنه إعلان أن الجماهير ليست متلقيًّا سلبيًّا للسياسة، بل هي فاعل يخلق معناه ويحمله.

ففي الفلسفة السياسية، لا تختزل الجماهير في أرقام، ولا تقاس قيمتها بحجم الحشود، بل بقدرتها على التحول إلى ذات واعية. والذات الواعية لا تتحرك إلا انطلاقا من إدراك عميق لذاتها ولموقعها ولحقوقها. من هنا، فإن هذا التحرك ليس اندفاعا، بل استعادة للمعنى؛ ليس انفعالا، بل فعل سيادي يعيد ترتيب العلاقة بين الشعب والمفوضين عنه.

ترى الجماهير في دفاعها عمن فوضتهم، دفاعا عن حقها في التفويض نفسه، عن شرعيتها هي، عن روايتها لذاتها، عن ثقتها كراس مال اجتماعي، عن إرادتها كمحرك للتاريخ. أنها، في المحصلة، تدافع عن حقها في الوجود كذات حرة، فاعلة، قادرة على اختيار ممثليها والوقوف معهم عندما ترى انهم باقون على العهد.

وهنا يتجاوز الفعل حدود السياسة الإجرائية إلى أفق الفلسفة الأخلاقية. فالجماهير، حين تقف مع من فوضتهم، لا تفعل ذلك بدافع الولاء الأعمى، بل بدافع الوفاء للعقد الرمزي الذي نشا بينها وبين ممثليها. أن هذا الوفاء ليس خضوعا، بل تعبير عن سيادة الإرادة، لان الجماعة التي تمنح التفويض هي وحدها القادرة على الدفاع عنه أو سحبه. وما الدفاع هنا إلا تأكيد على أن التفويض فعل أخلاقي متبادل، لا منة فيه ولا وصاية.

هذا الحراك، في عمقه الفلسفي، هو قبل كل شيء تأكيد على كرامة الجماعة وقدرتها على تحديد مصيرها، ورفض لكل محاولة لسلبها حقها في تفسير فعلها وتحديد معنى نضالها. انه القول بأعلى صوت: نحن أصحاب القرار، ونحن وحدنا من يحدد من يمثلنا ومتى وكيف ندافع عمن اخترناه ليكون صوت إرادتنا.

إن أخطر ما تواجهه الشعوب ليس القمع المادي وحده، بل القمع التأويلي؛ أي محاولة الآخرين تفسير أفعالها نيابة عنها، وتجريدها من حقها في تعريف ذاتها. وما يفعله هذا الحراك هو كسر هذا الاحتكار للتفسير، واستعادة حق الجماعة في إنتاج خطابها الخاص، وفي رفض كل قراءة تختزلها أو تشوه دوافعها أو تصادر عقلانيتها.

بهذا المعنى، لا يكون التحرك الجنوبي مجرد حدث في سياق أزمة، بل علامة على نضج الوعي السياسي، وعلى انتقال الجماهير من موقع الموضوع إلى موقع الفاعل. إنها لحظة تقول فيها الجماعة: لسنا جمهورا يحرك، بل شعب يختار؛ ولسنا ظل السياسة، بل اصلها ومصدر مشروعيتها.

وهكذا، يصبح الشارع ليس فضاء للغضب فقط، بل مسرحا لإعادة إنتاج الشرعية، ومنبرا لإعلان السيادة الشعبية، ومساحة تكتب فيها سردية الجنوب بيد أبنائه، لا بأقلام الآخرين. وفي هذه اللحظة بالذات، تتجلى الجماهير لا كقوة ضغط عابرة، بل كضمير تاريخي يرفض أن يختزل، ويصر على أن يكون حاضرًا، واعيًا، ومسؤولًا عن خياره ومصيره.



الأكثر زيارة


دعوة الرئيس الزبيدي للخروج في مليونية يجب الاستجابه لها .

الأربعاء/21/يناير/2026 - 11:19 م

الرئيس عيدروس الزبيدي دعاء إلى خروج شعب الجنوب في مليونية يوم الجمعه ٢٣ يناير يجب الاستجابه لها اكثر من اي وقت مضي ، نتيجة حجم التأمر والمخططات التي ت


أسعار الذهب اليوم الخميس 22-1-2026 في اليمن.

الخميس/22/يناير/2026 - 08:47 ص

شهدت أسعار الذهب في الأسواق اليمنية داخل محلات الصاغة، اليوم الخميس، الموافق 22-1-2026، استقرارًا في بعض جرامات الذهب، وأبرزها سعر الذهب عيار 21 وأوقي


انتقالي لحج يدعو: الجمعة موعد الكلمة العليا للشعب.

الأربعاء/21/يناير/2026 - 11:24 م

دعت القيادة المحلية للمجلس الانتقالي الجنوبي بمحافظة لحج إلى حشد جماهيري واسع والمشاركة الفاعلة في مليونية الثبات والتصعيد الشعبي، استجابةً لدعوة الرئ


انتقالي أبين يدعو جماهير المحافظة للاحتشاد عصر الجمعة في الع.

الخميس/22/يناير/2026 - 03:50 م

دعت القيادة المحلية للمجلس الانتقالي الجنوبي بمحافظة أبين جماهير المحافظة كافة إلى الاحتشاد الجماهيري الواسع، عصر يوم غد الجمعة الموافق 23 يناير 2026م