الرئيس علي سالم البيض: سيرة وطن خُدع باسم الوحدة
الجمعة - 23 يناير 2026 - 12:16 ص
صوت العاصمة / تقرير / غازي العلوي :
البيض في وداعه الأخير: رجل دولة دفع ثمن رهانه على الشراكة السياسية ..
وداعاً علي سالم البيض: آخر رجال الدولة الجنوبية
كيف أعادت ممارسات نظام الشمال تشكيل موقف البيض من الوحدة والدولة؟
لماذا تحوّل مهندس الوحدة إلى أبرز منتقديها؟
الوداع الأخير لرجل القضية
كيف أعاد البيض قراءة التاريخ بعد خيانة صالح للشراكة؟
البيض ودرس الوحدة اليمنية: السياسة بلا ضمانات طريق إلى الخديعة
بين الوحدة والانفصال… سيرة رجل دفع ثمن القرار
شيّع المئات من أبناء اليمن، عصر الأحد، في العاصمة الإماراتية أبوظبي، جثمان الرئيس الجنوبي الأسبق علي سالم البيض، إلى مثواه الأخير في مقبرة بني ياس، في مراسم مهيبة تقدّمها أفراد من الجالية اليمنية، إلى جانب شخصيات سياسية واجتماعية من اليمن ودولة الإمارات.
وانطلق موكب التشييع عقب أداء صلاة الجنازة، وسط حضور واسع لمشيعين قدموا من مختلف إمارات الدولة ومن أوساط اليمنيين في المهجر، في مشهد عكس حجم الحضور الرمزي والسياسي الذي احتفظ به البيض في الذاكرة الوطنية، والدور المحوري الذي لعبه في واحدة من أكثر المراحل تعقيداً في تاريخ اليمن الحديث.
وخيمت أجواء الحزن والأسى على مراسم الوداع، حيث استعاد المشاركون محطات بارزة من المسيرة السياسية للرئيس الراحل، مؤكدين أن رحيله يمثّل خسارة لقامة سياسية كان لها تأثير بالغ في مسار الجنوب واليمن عموماً، خلال عقود اتسمت بالتحولات والصراعات الحادة.
وجرى مواراة جثمان الفقيد الثرى وسط دعوات بالرحمة والمغفرة، وبالصبر والسلوان لأسرته ومحبيه، في وداع اتسم بالخشوع والتقدير لمسيرة رجل ظل اسمه حاضراً في مفاصل السياسة اليمنية، سواء في مرحلة الدولة الجنوبية أو خلال الوحدة وما بعدها.
سيرة رجل بين الوحدة والانفصال
برحيل علي سالم البيض، تُطوى صفحة واحدة من أكثر التجارب السياسية إثارة للجدل في تاريخ اليمن المعاصر؛ رجل جمع بين لقب «مهندس الوحدة» وموقع «قائد مشروع فك الارتباط»، ليجسد تناقضات مرحلة كاملة عاشها اليمن بين الحلم والاقتتال.
وُلد البيض في 10 فبراير/ شباط 1939 بقرية معبر في مديرية الريدة وقصيعر بمحافظة حضرموت، حيث تشكّل وعيه السياسي مبكراً. تلقّى تعليمه الأولي في غيل باوزير، ثم انتقل إلى عدن عام 1956، وهناك بدأت ملامح نشاطه السياسي والطلابي، وصولاً إلى رئاسته اتحاد الطلبة الحضارم.
وفي القاهرة، حيث درس الهندسة منذ عام 1963، اتسع حضوره السياسي، وبرز كأحد القيادات الطلابية اليمنية، إلى جانب تلقيه دورات عسكرية مهّدت لتداخل المسارين السياسي والعسكري في حياته.
مع اندلاع الكفاح المسلح ضد الاستعمار البريطاني، لعب البيض دوراً بارزاً في العمل الفدائي، وتقلد بعد الاستقلال عام 1967 مناصب سيادية عدة، أبرزها وزير الدفاع، ثم الخارجية، فمحافظ حضرموت، قبل أن يتدرج داخل هرم الحزب والدولة.
وانتمى البيض فكرياً إلى حركة القوميين العرب، وكان من المؤسسين الأوائل للجبهة القومية، التي تحولت لاحقاً إلى الحزب الاشتراكي اليمني، الحاكم في الجنوب حتى قيام الوحدة.
من ذروة السلطة إلى لحظة الانقسام
بلغ علي سالم البيض ذروة حضوره السياسي في 22 مايو/ أيار 1990، عندما وقّع اتفاقية الوحدة اليمنية ممثلاً عن الجنوب، ليصبح نائباً لرئيس مجلس الرئاسة في الدولة الجديدة.
غير أن الخلافات سرعان ما تفجّرت، على خلفية ما وصفه البيض لاحقاً بـ«تجاوزات الشريك في الوحدة»، لتدخل البلاد في نفق سياسي وعسكري انتهى بإعلان فك الارتباط عام 1994، وهي الخطوة التي شكّلت منعطفاً حاسماً في مسيرته السياسية.
وبعد هزيمة مشروع الانفصال، غادر البيض المشهد السياسي الرسمي، قبل أن يعود لاحقاً رمزاً سياسياً يقود التيار المطالب باستعادة الدولة الجنوبية، محتفظاً بحضور قوي في الوجدان الجنوبي، داخل الوطن وخارجه.
مذكّرات تكشف صراع الرفاق
وفي سياق متصل، تعيد صحيفة “الأمناء” نشر مقتطفات من مذكّرات الرئيس الراحل علي سالم البيض، التي تسلّط الضوء على الصراعات الداخلية الدامية داخل الحزب الاشتراكي اليمني، منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، وصولاً إلى أحداث 13 يناير/ كانون الثاني 1986.
وتتضمن المذكرات رواية البيض لإعدام الرئيس سالم ربيّع علي (سالمين)، وبدايات اعتماد التصفية الجسدية كأداة لحسم الخلافات السياسية، إضافة إلى تفاصيل دقيقة عن أدوار القيادات المتصارعة، والتدخلات الخارجية، والصراع بين جناحي عبد الفتاح إسماعيل وعلي ناصر محمد.
وتكشف الشهادات عن كواليس الحرب الثالثة مع الشمال عام 1979، وصراعات السلطة داخل الجنوب، ومحاولات احتواء الخلافات سياسياً قبل أن تنفجر عسكرياً، في سرد يعكس حجم المأساة التي قادت إلى انهيار التجربة الجنوبية من الداخل.
وتُنشر هذه المذكرات، التي أعدّها وحاور البيض فيها الزميل بشير البكر، ضمن كتاب بعنوان «علي سالم البيض… الوحدة والانفصال»، عن الدار الأهلية للنشر والتوزيع في عمّان.
البيض… الراحل المختلف
برحيل علي سالم البيض، يغيب رجل عكس مسيرة اليمن بكل تناقضاتها: ثورة، دولة، وحدة، حرب، وانقسام. سيرة تختزل حكاية وطن أُتيحت له فرص كثيرة، لكنه أضاعها تحت وطأة الصراع على السلطة والسلاح، لتبقى تجربة البيض واحدة من أكثر التجارب إثارة للنقاش في تاريخ اليمن الحديث.
لم تكن حياة علي سالم البيض مجرد مسار سياسي تقليدي، بل رحلة شائكة لرجل حمل مشروع دولة، ثم وجد نفسه شاهداً على انهياره، فدفع ثمن القرار الذي اعتقد يوماً أنه سيُنهي الانقسام ويطوي صفحة الصراعات إلى الأبد. لقد وقّع البيض على اتفاقية الوحدة اليمنية عام 1990 وهو مسكون بحلم بناء دولة عادلة يتساوى فيها الشريكان، ويُصان فيها الجنوب من الإقصاء، وتُحترم فيها التفاهمات السياسية والمؤسسية التي بُنيت عليها تلك اللحظة التاريخية.
غير أن الواقع سرعان ما كشف له، كما لكثير من الجنوبيين، أن الوحدة التي وُلدت بالحلم سرعان ما أُفرغت من مضمونها، وتحولت إلى مشروع هيمنة، بعد أن تنكّر شريك التوقيع آنذاك، الرئيس علي عبدالله صالح، لبنود الاتفاق وروحه، وأدار الدولة بعقلية الغالب والمغلوب، لا بعقلية الشراكة التي بُنيت عليها الوحدة.
حينها، لم يكن البيض يواجه خصماً سياسياً فحسب، بل كان يواجه شعوراً داخلياً ثقيلاً بالمسؤولية التاريخية، وإحساساً عميقاً بأن توقيعه ذاك لم يكن مجرد قرار سياسي خاطئ، بل خطأً استراتيجياً دفع الجنوب ثمنه من دمه واستقراره ومستقبله. ومن هذا الإحساس بالذنب السياسي، تشكّل تحوّله الكبير، لا بوصفه نزوة انفصالية كما صوّره خصومه، بل كقناعة راسخة بأن استعادة الدولة الجنوبية باتت واجباً أخلاقياً قبل أن تكون خياراً سياسياً.
تمسّك علي سالم البيض بخيار استعادة الدولة الجنوبية حتى آخر أيامه، لا عناداً ولا انتقاماً، بل إيماناً بأن ما فُرض على الجنوب بالقوة لا يمكن أن يستمر بالشرعية، وأن الشعوب لا تُدار بالخديعة ولا تُبنى الدول على نقض العهود. عاش سنواته الأخيرة بعيداً عن السلطة، لكنه لم يبتعد عن القضية التي آمن بها، وظلّ اسمه حاضراً في وجدان الجنوبيين كرمز لرجل أخطأ بشجاعة، ثم حاول تصحيح الخطأ بقدر ما أتاحت له الظروف.
وبرحيله، لا يُطوى الجدل حول علي سالم البيض، بل يُعاد فتحه من زاوية أعمق: زاوية رجل أدرك متأخراً أن القرارات المصيرية لا تُقاس بنواياها، بل بنتائجها، وأن السياسة قد تخون أصحابها أكثر مما يخونها الخصوم. لقد مات البيض، لكن الأسئلة التي خلّفها حول الوحدة، والعدالة، والشراكة، وحق الشعوب في تقرير مصيرها، ما تزال حيّة، تؤرق حاضر اليمن وتلاحق مستقبله.
هكذا يغيب علي سالم البيض جسداً، ويبقى كأحد أكثر الشخصيات تعبيراً عن مأساة اليمن الحديث: وطنٌ وُلد مرتين، وضاع بين توقيعٍ حالم وخيانة سلطة، وبين حلم دولة، وواقع سلاح لا يعترف إلا بالقوة.