عدن تتكلم… وملايين الجنوب تكتب بيان السيادة
السبت - 24 يناير 2026 - 12:01 ص
صوت العاصمة/ عدن
في لحظةٍ وطنية فارقة، وتحت سماء عدن التي لم تعرف يومًا الصمت حين يُستدعى التاريخ، يحتشد أحرار وحرائر الجنوب في عاصمتهم الأبدية ليجددوا العهد مع الأرض والهوية والقرار. ليست مليونيه اليوم الجمعه 23 يناير مجرد تظاهرة عابرة، بل رسالة سياسية مكتملة الأركان، تؤكد أن ساحات وميادين عدن كانت وستبقى المنصات الحرة التي يعلو منها صوت الجنوب إلى الجوار والإقليم والعالم، صوتًا لا يقبل الوصاية ولا يعترف بالبدائل المصطنعة، ويُعلن بوضوح أن أبناء الجنوب هم وحدهم أصحاب الأرض وسادتها، وهم وحدهم من يقررون مصيرهم ومستقبل أجيالهم.
يخرج الجنوبيون هذه المرة وهم أكثر وعيًا بعمق التحديات، وأكثر تمسكًا بقضيتهم الوطنية التي لم تعد تقبل المساومة أو الالتفاف أو إعادة التدوير السياسي، قضية استعادة الدولة الجنوبية المستقلة كاملة السيادة، كخيارٍ لا رجعة عنه ولا بديل له مهما تعددت الضغوط وتلونت المشاريع. وفي مشهدٍ يعكس نضج الشارع الجنوبي، تأتي هذه الحشود لتفضح محاولات تزوير الإرادة، وتضع حدًا لكل مساعٍ تستهدف الانتقاص من المكتسبات الوطنية التي تحققت بدماء وتضحيات جسام، مع التأكيد على مواصلة تعظيم هذه المكاسب وحمايتها مهما كانت التحديات والرهانات.
وتحمل المليونية في جوهرها موقفًا صلبًا داعمًا للقوات المسلحة الجنوبية، باعتبارها أحد أعمدة المشروع الوطني، وبنيانًا وطنيًا جنوبيًا خالصًا لا يقبل العبث به أو النيل من قياداته المخلصة التي أثبتت حضورها في ميادين الشرف. كما تشدد الرسالة الشعبية على رفض أي محاولات للمساس بالأجهزة الأمنية الجنوبية، أو فرض تعديلات على وظائفها أو رموزها وشعاراتها التي تُجسد الهوية والانتماء، في تأكيد واضح أن الأمن الجنوبي ليس ملفًا قابلًا للتفاوض أو التجريب.
وفي بعدٍ أخلاقي لا ينفصل عن السياسي، تحضر ذكرى الشهداء بقوة في وجدان الحشود، وفاءً لتضحياتهم، وثباتًا على الدرب الذي سلكوه، ورفضًا قاطعًا لأي انحراف عن الأهداف التي ارتقوا من أجلها. فدماء الشهداء، كما يردد الجنوبيون، ليست مجرد ذكرى، بل بوصلة ومسؤولية وطنية لا تسقط بالتقادم.
كما تمثل هذه المليونية تجديدًا للتفويض الشعبي للمجلس الانتقالي الجنوبي وقيادته الوطنية برئاسة القائد عيدروس الزُبيدي، في تعبيرٍ صريح عن الثقة السياسية والالتفاف الشعبي، ورسالة واضحة لكل من يراهن على إضعاف هذا التمثيل أو تجاوزه. إنها حشود تؤكد أن الشارع الجنوبي لا يزال يمتلك قوة الدفع، وأن روح الصمود أقوى من أن يتسلل إليها اليأس، مهما اشتدت الضغوط وتكاثرت المؤامرات.
وفي ختام المشهد، تتجلى الوحدة الوطنية الجنوبية ونسيجها الاجتماعي كأحد أهم عناوين هذه الحشود التاريخية، برفضٍ قاطع لكل محاولات إشعال الفتنة بين الجنوبيين، وتعريتها وفضح أدواتها ومحرضيها، في رسالة مفادها أن الجنوب، وهو يتقدم بثبات نحو استحقاقه الوطني، يفعل ذلك موحدًا، متماسكًا، ومحصنًا بوعي شعبه وإرادته الحرة. عدن، مرةً أخرى، لا تكتفي بأن تكون عاصمة، بل تتحول إلى بيان سيادي مفتوح، يكتبه شعب قرر أن يكون حاضرًا في صناعة تاريخه لا شاهدًا عليه.