عقيدة الاستقلال وفقه الضرورة: دفاعاً عن الممثل الشرعي لإرادة الشعب
الأربعاء - 28 يناير 2026 - 12:26 ص
صوت العاصمة / كتب / حافظ الشجيفي
ما يزال المنطق الإنساني يتردى في درك من السطحية حين يقيس مصائر الامم بميزان المنفعة العارضة، ويحبس أشواق الشعوب في قفص من المطالب الآنية التي لا تعدو أن تكون طعاما أو شرابا، وكأنما الروح الوطنية محض جسد يطلب الحياة في الفتات، بينما الحقيقة التي لا مرية فيها أن قضية الجنوب التي ينهد بها المجلس الانتقالي الجنوبي بقيادة الرئيس عيدروس الزبيدي ليست ملفا إداريا في دولاب وزارة، ولا مشروعا خدميا ينتظر ميزانية مرصودة، بل هي كينونة شعب ثائر، وقصة حق مسلوب، وجدلية حرية تأبى الذوبان في قوالب الاحتلال التي ألبست ثوب الشرعية زورا وبهتانا.
هؤلاء الذين يرمقون موقفنا المناصر للمجلس الانتقالي بعين الريبة، أو يحاولون قراءته من نافذة المصالح الشخصية الضيقة، إنما هم أسرى لنفوس انطفت فيها جذوة الكرامة، فلا يرون في الرمز الوطني إلا شخصا، ولا في الكيان السياسي إلا هيكلا، غافلين عن أن استهداف المجلس الانتقالي أو النيل من شخص رئيسه هو في حقيقته طعنة نجلاء في صدر الإرادة الشعبية التي فوضتهما، ومحاولة بائسة لتقزيم قضية كبرى نبتت من دماء الشهداء وتجذرت في عروق الأرض، فالمجلس لم يولد من رحم الترف السياسي، بل انبثق من صلب النضال ليكون الحامل الوطني الذي لا ينحني، والصدى الصادق لصرخة الجنوب في وجه التهميش والاستلاب.
فالخلط المتعمد الذي يمارسه البعض بين مهام الدولة الإدارية وبين مهمة التحرير الوطني هو نوع من التدليس العقلي، إذ لم يكن المجلس الانتقالي يوما مكلفا بإدارة شؤون البلاد في ظل واقع قائم تحت طائلة الاحتلال، ولا مفوضا من الجماهير بتحقيق رفاهية العيش أو توفير الرواتب ومعالجة الأزمات الاقتصادية التي هي في الأصل نتاج منظومة فساد وتراكمات احتلالية مريرة، بل إن التفويض الشعبي الذي طوق عنق الرئيس عيدروس الزبيدي هو عهد غليظ انحصر في استعادة دولة الجنوب وإعلان استقلالها، فكيف يحاسب المناضل على تقصير في وظيفة لم يطلبها، أو يلام الثائر على ضيق عيش سببه الجلاد الذي يحاربه.
وقد كانت المشاركة في سلطة الشرعية ضرورة أملتها ظروف المرحلة وضغوط المجتمع الإقليمي والدولي، وهي في جوهرها مناورة تكتيكية ذكية تهدف إلى تثبيت موطئ قدم للقضية في المحافل الرسمية، لا لإذابة الهوية الجنوبية في صهريج الوحدة المزعومة، فالمجلس قبل بهذه الشراكة من قبيل السياسة التي تخدم الهدف الأسمى، طالما أن ذلك لا يمس جوهر التفويض الشعبي ولا يحيد عن بوصلة الاستقلال، ومن الهذيان أن ننتظر من كيان ثوري أن يتحول إلى مؤسسة رعاية اجتماعية في ظل دولة لا يعترف بشرعيتها الأصلية على أرضه، بل إن وجوده في تلك السلطة هو لإكمال مسيرة التحرير من الداخل ومن الخارج في آن واحد.
ربما يكون المجلس الانتقالي قد اخطأ في مسارات الشراكة، ومن الطبيعي تعترض سبيله عثرات السياسة ودهاليزها، غير أن هذه العثرات لا تسقط حقه في القيادة ولا تسلبنا واجب الدفاع عنه، فنحن لا نذود عن أشخاص زائلين بل نحمي رموزا تجسد كرامتنا، ولا نتحيز لهياكل جامدة بل ننحاز لإرادة حية تأبى الانكسار، فالدفاع عن المجلس الانتقالي ورئيسه هو في حقيقته ذود عن حياض القضية وصون لتضحيات السنين، وهو واجب يمليه الضمير الوطني على كل حر يدرك أن المعركة اليوم هي معركة وجود، لا معركة حدود أو وظائف أو أرزاق.
وأصحاب المصالح الذين يشوهون هذه الوطنية الناصعة، والقاصرين عن إدراك أبعاد الصراع الفلسفي والسياسي بين إرادة الشعب وهيمنة الاحتلال، إنما يقيسون البحر بقدح صغير، ويظنون أن الوطن ينتهي عند حدود رغباتهم الذاتية، بينما الوطن في عرف الأحرار هو السيادة والمجد والاستقلال، والمجلس الانتقالي سيظل هو القلعة الحصينة لهذه الطموحات، والرئيس عيدروس الزبيدي سيبقى الرمز الذي التف حوله الشعب ليعبر به من ظلمات التبعية إلى أنوار الدولة المستقلة، وكل هجوم عليهما ليس إلا محاولة لكسر هذه الإرادة، مما يجعل الدفاع عنهما أقدس الواجبات الوطنية التي لا تقبل المساومة ولا تحتمل التردد.