تمثيل عدن لا يُكتسب بالإقامة ..
الخميس - 29 يناير 2026 - 12:50 ص
صوت العاصمة/ كتب : هشام صويلح
بأي حق يتحدث النازح باسم عدن، بينما التمثيل السياسي يُبنى على الهوية والتفويض الشعبي لا على الإقامة وطول المقام؟
منذ خمسينات القرن الماضي، شهدت مدينة عدن موجات نزوح متتالية من مناطق العربية اليمنية، وفي مقدمتها تعز، بفعل موقعها كمدينة عمل وميناء مفتوح. هذا واقع تاريخي مسلّم به، ولا يحمل في ذاته أي إشكال إنساني أو اجتماعي. غير أن الإشكال يبدأ عندما يُستغل هذا الواقع لإعادة تعريف هوية المدينة، وتتحول الإقامة إلى أداة لاحتكار التمثيل، ويُعاد تقديم التعايش بوصفه غطاءً لمصادرة الحق السياسي للمدينة في تقرير هويتها ومصيرها.
الأصالة السكانية ليست توصيفًا يُكتسب بالتقادم ولا شعارًا يُرفع عند الحاجة، بل هي نتاج تاريخ وبنية اجتماعية وتشكّل حضري خاص. وعدن، بهويتها الجنوبية الواضحة، تكوّن نسيجها قبل موجات النزوح، لا بفعلها. أما القادمون إليها، مهما طال مقامهم، فهم جزء من مجتمعها المعاصر، لا من تكوينها الأصلي. هذا توصيف موضوعي لا إقصائي، لكنه يضع الهوية والتمثيل في إطارهما الصحيح.
المغالطة الأخطر تكمن في الخلط المتعمد بين السكن والتمثيل السياسي. فالإقامة، مهما امتدت، لا تمنح شرعية تقرير المصير ولا تخوّل مصادرة صوت أهل المكان. التمثيل السياسي يُبنى على الانتماء الأصيل، وعلى تفويض شعبي حر، وعلى انسجام مع القضية والهوية. أما الادعاء بأن النزوح أو طول الإقامة ينتج “أحقية تمثيل”، فليس سوى استحواذ سياسي مغلّف بخطاب مدني مضلل.
تصاعد هذا الخطاب اليوم ليس معزولًا عن السياق. فعدن قلب القضية الجنوبية، والسيطرة على سرديتها تعني التأثير على مسارها. لذلك تُعاد إنتاج روايات تزعم ذوبان الهوية أو تلاشي الجذور، لتبرير إعادة توزيع التمثيل خارج سياقه الطبيعي. طرح غير بريء، يخدم إعادة تدوير الهيمنة بأدوات ديموغرافية ناعمة.
عدن مدينة جامعة بطبيعتها، نعم، لكنها ليست بلا هوية، ومفتوحة، نعم، لكنها ليست ساحة مستباحة سياسيًا. النزوح لا يصنع أصالة، ولا يُنتج تمثيلًا بالتكرار، ولا يمنح وصاية بالصوت العالي. تمثيل عدن شأن يقرره أبناؤها الحقيقيون، بهويتهم الجنوبية وتفويضهم الشعبي، وكل ما عدا ذلك ليس إلا تزويرًا للهوية بقشرة خطاب مدني زائف.