مداد العاصمة



حوار الرياض الجنوبي: جس نبض في ظلال الترويض ومآلات التفكيك

السبت - 31 يناير 2026 - 12:09 ص

حوار الرياض الجنوبي: جس نبض في ظلال الترويض ومآلات التفكيك

صوت العاصمة / كتب / د. أمين العلياني


في قاعات الرياض المكيّفة بعناية، تُفتح دفاتر الحوار الجنوبي بحضورٍ عربيٍ، في مشهدٍ يبدو أقرب إلى استراحة المقاتل منه إلى منصة القرار الفاصل، وليس هذا فحسب، بل هو جَسُّ نبضٍ مُتقَن، ومحاولة لقراءة خريطة الجنوب السياسية المُتغيرة بعيون قائدة التحالف، في مسعى لترويض التوجهات وتصعيدها أو كبحها وفق معادلةٍ تحفظ التوازنات الهشّة، وتُخرِج الأزمة اليمنية - شمالًا وجنوبًا - من عنق الزجاجة نحو حلولٍ تراوح مكانها، لا تمسّ سقف الوحدة المُنتهية، ولا تُجيب على سؤال هوية الجنوب المصيري الذي صار هاجس إرادة الشعب، لا إرادة النخب الباحثة عن سلطةٍ لا وطن.

في هذا الفضاء المُزيّف ببهاء الدبلوماسية، تتصارع سرديتان رئيسيتان: سردية تؤمن باستعادة دولة الجنوب الكاملة السيادة بحدود ما قبل 1990م، وتنظر إلى الحوار؛ بوصفه مناورةً حضاريةً إلزامية، وتحاول استيعاب الآخر المختلف والمؤمن باليمن الاتحادي أو الحكم الذاتي، راجيةً أن تكون نافذة الرياض - التي تتحكّم بمفاصل القرار الدولي والإقليمي - منفذاً للضوء، وفي الوقت ذاته، يرون بأعينٍ قلقة تحوّلاتٍ أمنيةً تعمل على تفكيك النسيج العسكري الجنوبي وتسليخه عن هويته الوطنية، ومصادرة المقرات السياسية التي انطلقوا منها بالتمثيل، في حركةٍ تبدو تمهيدًا لتسوياتٍ مجتزأة لا تلامس جذر القضية ولا تحقق العدالة في الهوية والانتماء، وهم، برغم مشاركتهم الظاهرية، لا يبدون مقتنعين بأن هذا المسار قادرٌ على منح قضيتهم الشرعية التي ينشدون، أو أن يُفضي إلى نتائج تليق بإرادة شعب الجنوب المتعدّد في تنوّعه، الموحَّد في حلمه الجمعي.

وفي المقابل، تتعالى سرديةٌ أخرى تطرح فكرة الإقليم الشرقي أو الحكم الذاتي، بعد تعديل التسمية من إقليم حضرموت استجابةً لحساسياتٍ محليةٍ، كحلٍّ وسطيٍ مُلتفّ، وتدّعي هذه السردية أن العدالة لمحافظات حضرموت والمهرة وشبوة وسقطرى تكمن في كيانٍ إداريٍ ذي حكمٍ ذاتي، بلغةٍ ملتويةٍ تحاول الالتفاف على الإرادة الشعبية الجارفة نحو الاستعادة الكاملة لدولة الجنوب. وهنا تُكشَف المفارقة الصارخة: فبينما تُدّعى رعاية المصالح المحلية، تشهد حضرموت - على وجه الخصوص - حملات تجنيدٍ مكثفةٍ لقوات الطوارئ اليمنية التي بلغت ثمانية ألوية، في إشارةٍ تنمّ عن نوايا تتعارض جوهريًا مع تطلعات أبناء المحافظة، وتشكّل تمويهًا يخلط الأوراق ويعيد توجيه بوصلة الحوار لخدمة أجنداتٍ خارجية تستبعد الإيمان بفكرة الحكم الذاتي وتروضه لصالح فكرة الأقاليم الاتحادية. إنها محاولةٌ لجرّ قضية شعب الجنوب إلى مربّع الأقاليم الذي تريده قوى الشمال، ليُحَلَّ الصراع على حساب عدالتها السياسية والجغرافية والاقتصادية، في صفقةٍ تاريخيةٍ يُدفع ثمنها من رصيد الحقوق السياسية والوطنية لا من خزائن التسويات.

ومن هذا التصادم الخفي لقراءة التحولات، يتبدّى أن حوار الرياض - بعيدًا عن ضجيجه الدبلوماسي - يتحوّل إلى محطّةٍ قد تُفرَّغ من مضامينها العميقة؛ لتصبح نتائجه محسومةً سلفًا؛ فهو لا يعالج قضية شعب الجنوب؛ بوصفها قضية هويةٍ وحقٍ تاريخيٍ متجذّر، بل يحاول تسطيحها إلى مجرّد دوّامة من المطالب الخدمية العابرة والعواطف الآنية، التي يمكن إخمادها بوعود التنمية وتوفير الرواتب - تلك الرواتب التي كانت قوى الشمال سببًا رئيسًا في تعطيلها أصلًا، هروبًا من الاعتراف بجذر العدالة في القضية وبشرعية إرادة شعبها.

وهنا تكمن المفارقة الأعظم: فالحرب المستعرة، بكلّ تداعياتها الدموية وتبعاتها الإقليمية، لا تبدو معنيةً في جوهرها باستعادة صنعاء من سيطرة الحوثيين فحسب، بل هي - في أحد أبعادها الاستراتيجية الخفية - عمليّةٌ مُمنهجة لترتيب المشهد السياسي في الجنوب وتفكيك بنيته التحتية المجتمعية والعسكرية، وكأنّ الحرب وُلدت لتهيئة الأرضية لقوى الشمال - بمختلف ألوانها، الحوثية منها والجمهورية - للتفاوض من موقع القوة على مستقبل اليمن ككلّ، بعد إفراغ الجنوب من مقومات مقاومته وهويته، وتحويله إلى ورقةٍ طيعةٍ في صفقةٍ كبرى تُنهي الفصل الأخير من المأساة بتوقيع الجنوب على تنازلاته التاريخية تحت مسمّيات الشراكة واللامركزية والحلّ السياسي.

هكذا يصير الحوار مجرّد أداءٍ شكليٍ في مسرحٍ كبير، حيث تُدار المفاوضات بمنطق الترويض المؤقّت والتفكيك المتدرّج، وليس بمنطق الاعتراف التاريخي والتصالح الجذري، ويبدو التساؤل مُلحًّا: هل تُكتَب نهاية هذا الحوار كفصلٍ جديدٍ في سلسلة الخيبات التي تعاقبت على شعب الجنوب، أم كمفاجأةٍ تُعيد الاعتبار لإرادة شعبٍ طال انتظاره؟ الإجابة - كما هو دأب التاريخ - لن تخرج من قاعات الفنادق المكيّفة، بل من صمت الأرض الصامدة، وصدق الإرادة الشعبية المتجلّية، ووضوح الرؤية الثابتة التي آمن بها الرئيس عيدروس الزبيدي وناضل من أجلها وما زال مؤمنًا بها؛ بوصفها الحل العادل لقضية شعب الجنوب في استعادة دولته، والجنوب، بشطريه: الواقعي المُجرّد، والمنشود المتعذّر، ينتظر تحت وهج الشمس وصدى المدافع.



الأكثر زيارة


شركة "الريادة موني" تحتفي بكوادرها في حفل تكريمي بهيج بالعاص.

الجمعة/30/يناير/2026 - 07:46 م

فياحتفاليةسادتهاأجواءالألفةوالتقدير،كرّمتشركةالريادةمونيللصرافةوالتحويلات،اليومالجمعة،كافةموظفيهاومنتسبيهافيجميعفروعها،وذلكتزامناًمعحلولالعامالميلاديا


توافد جماهيري كبير في ساحة العروض قبل مليونية دعم الشيخ حمدي.

الجمعة/30/يناير/2026 - 01:32 م

شهدت ساحة العروض بمديرية خور مكسر في العاصمة المؤقتة عدن، ظهر الجمعة، أداء الآلاف لصلاة الجمعة، قبيل انطلاق فعالية مليونية حاشدة تضامنًا مع الشيخ حمدي


مرور لحج يواصل حضوره الميداني اليومي في الحوطة وتبن لضبط الم.

الخميس/29/يناير/2026 - 11:15 م

تواصل إدارة المرور بمحافظة لحج أداء مهامها الميدانية بشكل يومي ومنتظم، دون كلل أو ملل، في مديريتي الحوطة وتبن، في إطار الجهود الرامية إلى تنظيم الحركة


تعرف على درجات الحرارة المتوقعة اليوم الجمعة 30 يناير 2026 ف.

الجمعة/30/يناير/2026 - 11:08 ص

توقع خبراء الأرصاد الجوية، اليوم الجمعة، اختلافًا في درجات الحرارة المتوقعة على العاصمة عدن وعددٍ من محافظات الجمهورية. عدن (العظمى 27°- الصغرى 23°) ا