معضلة الحامل السياسي والقضية الجنوبية
الأحد - 08 فبراير 2026 - 11:56 م
صوت العاصمة/ بقلم / صالح النود
تمر قضيتنا الجنوبية اليوم بمرحلة معقدة وتحدياتها كثيرة، بل تُعد من أخطر المراحل التي واجهتها خلال السنوات الماضية.
وتتمثل العقدة الكبرى في غياب الحامل السياسي الفعلي، بما يعني عمليًا استمرار القضية دون غطاء سياسي منظم، في مرحلة مفتوحة المدى وغير واضحة المعالم، وهو وضع بالغ الخطورة ولا يمكن القبول باستمراره.
أولًا: أزمة المجلس الانتقالي الجنوبي
تبدأ الإشكالية من حالة المجلس الانتقالي الجنوبي نفسه، الذي بات من الصعب اليوم تعريفه سياسيًا وتنظيميًا، خصوصًا بعد خطوة الحل التي أقدمت عليها هيئاته، والتي أراها – من وجهة نظري – قرارًا غير موفق، لما ترتب عليها من تفكيك فعلي للبنية السياسية التي كانت تمثل، بكل جوانب قصورها، الحامل السياسي للقضية.
واقع اليوم يشير إلى أن شريحة واسعة من الشارع الجنوبي رفضت قرار الحل، وما زالت متمسكة بالمجلس، وتطالب بعودة رئيسه عيدروس الزبيدي.
وهنا تتجسد المعضلة الحقيقية؛ فعندما نطالب بعودة المجلس ورئيسه، يصبح لزامًا علينا أن نجيب بوضوح وصدق عن سؤال جوهري: هل هذه العودة ممكنة في ظل المتغيرات الحالية وهل هي لصالح القضية ام لا؟
شخصيًا، أنا مع عودة المجلس الانتقالي إلى العمل السياسي وتمثيل القضية الجنوبية، لكن بشروط جوهرية لا أعتقد أنها ستتحقق، وفي مقدمتها:
• أن يعود بصيغة مختلفة جذريًا عمّا كان عليه، وبقيادة جمعية لا مركزية.
• أن يتحول إلى مكون وطني جامع، لا كيانًا إقصائيًا.
• أن يتخلى عن المركزية المفرطة التي أثبتت التجربة أن نتائجها كانت كارثية.
• معالجة إرث الفساد والمحسوبية.
• الاعتراف بجوانب القصور الأخرى التي جرى التنبيه إليها مرارًا، ووضع معالجات حقيقية تمنع تكرارها.
إن إعادة إنتاج التجربة بالأدوات والعقليات ذاتها لن تقود إلا إلى النتيجة نفسها، وربما إلى ما هو أسوأ.
ثانيًا: متغيرات ما بعد ديسمبر 2025
لا يمكن تجاهل حقيقة أن معطيات ما بعد أحداث ديسمبر 2025 تختلف جذريًا عمّا قبلها، ومن أبرز هذه المتغيرات:
• إعلان المملكة العربية السعودية عن تبني موقف تجاه الملف الجنوبي بصورة غير مسبوقة، مع مؤشرات إيجابية لصالح القضية الجنوبية، يقابل ذلك انتهاء الدعم الإماراتي وغياب الحليف السابق.
• بروز قوى جنوبية سياسية وعسكرية واجتماعية كانت مقصاة سابقًا، وأصبحت اليوم جزءًا من المشهد ولا يمكن تجاوزها أو تهميشها.
هذه الوقائع تفرض منطقًا جديدًا في التفكير، لا يقوم على الاحتكار أو استعادة الماضي كما كان، بل على رسم خارطة طريق من واقع اليوم تحمي القضية الجنوبية من مزيد من التجاذبات والشتات.
واجبنا اليوم، كقوى جنوبية وكمهتمين بالقضية، هو تقييم الحالة الجنوبية بعقلانية وحكمة، بعيدًا عن الانفعال أو المكابرة او ردود الأفعال.
فالهدف يجب أن يكون واضحًا، وهو ترميم ما أفسدته المرحلة الأخيرة، ولمّ الشمل، وبناء حامل سياسي حقيقي يعكس تنوع الجنوب ويصون قضيته، ويتعلم من أخطاء مرحلة ٢٠١٧ إلى ٢٠٢٥م.
إن الاعتراف بالأخطاء ليس ضعفًا، بل شرطٌ أساسي لأي تصحيح جاد، وليس هناك موقف وطني أسمى من أن يضحي شخص بطموحه السياسي إذا كان غيابه يسهّل تحقيق الهدف الذي ناضل هو من أجله في مرحلة ما.
الخلاصة
عمليًا، وفي تقديري، فإن ما ينبغي العمل عليه عاجلًا هو إعادة تجميع ما يمكن جمعه، وإعادة إنتاج الحامل السياسي الجنوبي بما تبقّى من اجزاء للمجلس الانتقالي مع غيره من القوى الجنوبية، وبصيغة مختلفة، ورؤية مختلفة، وقيادة مختلفة، ليتولى الدفاع عن قضية شعب الجنوب واستعادة الدولة.
وحتى يتحقق ذلك، الحذر من أن يقسمونا الى فريقين نعمل ضد بعضنا، كما يريد الإعداء أن نكون.