المجلس الانتقالي الجنوبي...التحول من ردّة الفعل إلى صناعة الفعل
الإثنين - 09 فبراير 2026 - 01:17 ص
صوت العاصمة/ كتب: د. طارق مزيده
لماذا يحتاج المجلس الانتقالي الجنوبي إلى إصلاح مؤسسي شامل والتحضير لانعقاد مؤتمره الأول؟
في لحظات التحول الكبرى، لا تُقاس قوة الكيانات السياسية بعدد أنصارها فقط، ولا بصلابة خطابها، بل بقدرتها على تطوير ذاتها قبل أن يفرض عليها التطوير من الخارج.
فالتفويض السياسي الذي منحه الشعب الجنوبي للرئيس عيدروس بن قاسم الزبيدي رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي يضع عبئًا اضافيا على كاهل المجلس وكاستشعارآ لما يمر به المجلس باعتباره الممثل الشرعي لشعب الجنوب بمرحلة مفصلية تتطلب الانتقال من مرحلة التأسيس السياسي والميداني إلى مرحلة البناء المؤسسي المستدام. وعليه فإن نجاح المشروع الوطني الجنوبي تحت راية المجلس الانتقالي الجنوبي يرتبط بمدى قدرة مؤسساته على العمل وفق هيكل تنظيمي واضح، واختصاصات محددة، وآليات رقابة ومساءلة فعّالة.
اليوم يقف المجلس الانتقالي الجنوبي أمام منعطف حقيقي:
إما أن ينتقل من مرحلة التأسيس السياسي والميداني إلى مرحلة البناء المؤسسي المستدام، أو أن يبقى أسير نمط إدارة يقوم على ردّة الفعل أكثر مما يقوم على صناعة الفعل.
المشروع الوطني الجنوبي لا يحتاج فقط إلى موقف سياسي صلب، بل إلى مؤسسة حديثة، واضحة الهيكل، دقيقة الصلاحيات، خاضعة للمساءلة، وقادرة على إدارة التحديات بعقل استراتيجي لا بانفعال لحظي.
-البنية التنظيمية… بين التضخم وضعف الفاعلية
يتكوّن المجلس من هيئة رئاسة، وأمانة عامة، وجمعية وطنية، ومجلس عموم، ومجلس مستشارين. هذا التنوع الهيكلي يفترض أن يكون مصدر قوة وتكامل. لكن الإشكالية الحقيقية تكمن في:
تداخل الصلاحيات بين هيئة الرئاسة والأمانة العامة.
ضعف الدور الرقابي الفعلي للجمعية الوطنية.
غياب توصيف وظيفي مكتوب لكل منصب.
تضخم الهياكل مقابل محدودية الإنتاج المؤسسي.
عندما لا تكون الصلاحيات محددة بدقة، تضيع المسؤولية، وعندما لا تقابل الصلاحية مساءلة، يتحول الهيكل إلى شكل بلا مضمون.
الحل لا يكمن في إضافة مجالس جديدة، بل في إصدار لائحة تنظيمية داخلية تفصل الاختصاصات بوضوح وتضع معيار أداء لكل مستوى قيادي.
تقييم الأداء… الأسئلة التي لا بد من طرحها
قبل انعقاد المؤتمر الأول، يحتاج المجلس إلى وقفة مراجعة جادة:
كم نسبة تنفيذ البرامج التي أُعلنت خلال السنوات الماضية؟
هل تحولت الوعود إلى خطط تنفيذية بجداول زمنية؟
هل توجد مؤشرات قياس أداء حقيقية للدوائر؟
هل يخضع العمل القيادي لتقييم دوري؟
المراجعة ليست ضعفاً، بل شرطاً للنضج السياسي.
*القصور الإعلامي* … *الثغرة الأخطر*
لا يمكن إنكار أن الملف الإعلامي شكّل أحد أبرز نقاط الضعف في المرحلة السابقة.
في الوقت الذي حقق فيه المجلس حضوراً سياسياً ملموساً، خسر جزءاً من معركة السرد الإعلامي.
النتيجة كانت واضحة:
خصوم المجلس ملأوا الفراغ الإعلامي.
جرى تحميل الانتقالي مسؤولية تدهور الخدمات بالكامل.
تراجعت الثقة الشعبية في بعض المراحل بسبب غياب خطاب توضيحي مهني ومنظم.
المشكلة لم تكن في نقص الإنجازات فقط، بل في غياب استراتيجية إعلامية مكتوبة، وضعف التدريب، والعمل بردود أفعال متأخرة.
الإصلاح هنا يبدأ من:
وضع سياسة إعلامية واضحة، تدريب الكوادر، إنشاء مركز دراسات إعلامية، وعقد ندوة تقييم شاملة للأداء الإعلامي.
صناعة القرار… لا إدارة الأزمات فقط
غياب مركز متخصص لإدارة الأزمات جعل التعامل مع الأحداث الكبرى يتم تحت ضغط اللحظة.
المرحلة القادمة تتطلب:
إنشاء مركز إدارة أزمات دائم.
تفعيل مركز الدراسات وصنع القرار لإنتاج أوراق سياسات وتحليل سيناريوهات.
اعتماد نظام إنذار مبكر سياسي وإعلامي.
القوى السياسية لا تُقاس بردّ فعلها، بل بقدرتها على توقع الحدث وصناعته.
*الرقابة ومكافحة الفساد… شرط حماية المشروع*
أي مشروع وطني يفقد مصداقيته عندما تغيب الشفافية.
تفعيل جهاز الرقابة والتفتيش، وإنشاء هيئة داخلية لمكافحة الفساد، ومنحها صلاحيات حقيقية، ليس ترفاً تنظيمياً، بل ضرورة لحماية سمعة المشروع الوطني.
تطوير الدوائر القطاعية
المرحلة القادمة يجب أن تشهد:
تفعيل دائرة العلاقات الخارجية باعتماد مندوبين رسميين وتنظيم حضور الجاليات.
إعادة هيكلة الدوائر، العلاقات الخارجيه ،الاقتصاديه الصحة والسكان عبر إشراك الكفاءات وانتخاب سكرتارية متخصصة، ووضع خطة طوارئ اقتصاديه وصحية واضحة.
إعداد رؤية إنقاذ اقتصادي واقعية عبر الدائرة الاقتصادية.
تمكين حقيقي للمرأة وحماية الطفولة من خلال دائرة المرأة والطفل.
المؤسسة القوية هي التي تمس حياة الناس اليومية، لا التي تكتفي بالشعارات السياسية.
*المؤتمر الأول… فرصة تاريخية لا تتكرر*
المؤتمر الأول للمجلس الانتقالي يجب أن يكون محطة إصلاح لا احتفالية شكلية.
ينبغي أن يسبقه:
تقرير شامل لتقييم الأداء.
مراجعة اللائحة التنظيمية.
إقرار آليات انتخاب واضحة.
تبني برنامج سياسي واقتصادي وإداري للمرحلة القادمة.
المؤتمر ليس مناسبة للخطابة، بل لحسم الخيارات المؤسسية.
*الخلاصة:* من ردّة الفعل إلى صناعة الفعل
نجاح المجلس في المرحلة القادمة مرهون بخمسة عناصر حاسمة:
وضوح الهيكل.
تفعيل الرقابة.
احترافية الإعلام.
مأسسة القرار.
التحول من إدارة اللحظة إلى صناعة المستقبل.
المشاريع الوطنية لا تسقط عادة بفعل خصومها فقط، بل حين تعجز عن تطوير ذاتها.
والفرصة ما زالت قائمة… إذا تحوّل الإصلاح من فكرة مطروحة إلى قرار شجاع.