أحمد قايد القبة … حين يتقدّم صوت الميدان على حسابات السياسة
الخميس - 12 فبراير 2026 - 11:06 م
صوت العاصمة/ بقلم: م. عبدالله مشرح
في أوقات التحولات الكبرى، لا تُقاس قيمة القيادات بما تحمله من ألقاب، بل بما تتخذه من مواقف حين تتزاحم الضغوط وتتعقّد الحسابات. ومن بين المشاهد اللافتة في التطورات الأخيرة، يبرز موقف القائد أحمد قايد القبة (أبو نافع) بوصفه تعبيرًا عن رؤية ميدانية ترى أن مستقبل الجنوب ينبغي أن يُناقش ويُصاغ بإرادة جنوبية خالصة.
المشهد الجنوبي اليوم يتسم بحساسية عالية، في ظل تداخل عوامل محلية وإقليمية، وتباين قراءات المرحلة بين أطراف متعددة. ومع ما يُتداول من أحداث تتعلق بضغوط سياسية، وتحركات عسكرية، وتوترات ميدانية، تتجه الأنظار إلى طبيعة التعاطي مع هذه التطورات: هل تُدار باعتبار الجنوب ملفًا ضمن ترتيبات أوسع، أم باعتباره قضية سياسية قائمة بذاتها، لها خصوصيتها وسياقها التاريخي؟
في هذا السياق، جاءت مشاركة عدد من القيادات الجنوبية في إطار الحوار الجنوبي–الجنوبي باعتبارها خطوة تهدف إلى ترتيب البيت الداخلي، وتحصين الصف الوطني من التباينات التي قد تُستغل خارجيًا. غير أن الرسالة التي حملها بعض هؤلاء القادة كانت واضحة: إن أي حوار يتعلق بمستقبل الجنوب يجب أن يبقى في إطاره الجنوبي، بعيدًا عن أي تدخل يُفسَّر على أنه إعادة صياغة للمشهد دون توافق أبنائه.
هنا تبرز دلالة موقف القائد أحمد قايد القبة، القادم من خطوط التماس لا من صالات البروتوكول. فهو يمثل شريحة من القيادات التي صعدت من الميدان، وتكوّن وعيها السياسي في سياق المواجهة والدفاع عن الأرض، لا في سياق التوازنات الشكلية. وحين يُعلن تمسكه بمبدأ أن الحوار شأن جنوبي بحت، فإن ذلك لا يُقرأ كموقف شخصي، بل كامتداد لوعي جمعي يتنامى في الجنوب حول أولوية القرار الذاتي.
إن الجنوب، في هذه المرحلة، لا يبحث عن تصعيد بقدر ما يبحث عن وضوح. ولا يسعى إلى صدام بقدر ما يسعى إلى تثبيت قاعدة مفادها أن أي تسوية مستدامة يجب أن تنطلق من الاعتراف بإرادته السياسية. فالقضية الجنوبية، كما يراها قطاع واسع من أبنائها، ليست مجرد ملف إداري أو ترتيبات مرحلية، بل مسألة هوية وسيادة وحق في تقرير المصير ضمن أطر مشروعة ومتوافق عليها.
ومن هذا المنظور، فإن الضغوط — أيًا كان مصدرها — قد تُنتج هدوءًا مؤقتًا، لكنها لا تبني استقرارًا دائمًا ما لم تُعالج جذور الإشكال السياسي. والاستقرار الحقيقي لا يتحقق بإعادة توزيع الأدوار، بل بإعادة تعريف العلاقة على أساس الشراكة والاحترام المتبادل والاعتراف بالخصوصية.
لقد أظهرت المرحلة أن القيادات التي خرجت من رحم الميدان تمتلك حساسية عالية تجاه أي مساس بالثوابت التي قاتلت من أجلها. وهذا ما يمنح مواقفها وزنًا خاصًا في الشارع الجنوبي، حيث تُقاس المصداقية بمدى الثبات لا بمدى القرب من دوائر القرار.
إن الرسالة التي يمكن استخلاصها من مجمل هذه التطورات هي أن الجنوب لم يعد ساحة هامشية تُدار بآليات تقليدية، بل أصبح فاعلًا سياسيًا يحتاج إلى مقاربة مختلفة، تقوم على الحوار الحقيقي، واحترام الإرادة المحلية، وتغليب الحلول المستدامة على المعالجات الظرفية.
وفي نهاية المطاف، يبقى الرهان على الحكمة السياسية، وعلى قدرة جميع الأطراف على إدراك أن الاستقرار لا يُفرض، بل يُبنى. وأن صوت الميدان — حين يقترن بالعقلانية — يمكن أن يكون جسرًا نحو تسوية عادلة، لا عائقًا أمامها.