مقالات صحفية


لماذا تنظر السعودية للجنوب من منظور مصلحة الشمال؟

الجمعة - 13 فبراير 2026 - الساعة 05:25 م

د.  أمين العلياني
الكاتب: د. أمين العلياني - ارشيف الكاتب


في تعقيدات الجغرافيا السياسية اليمنية، تتجلى إشكالية عميقة الجذور في مقاربة المملكة العربية السعودية للصراع اليمني جنوبًا وشمالًا، تلك المقاربة التي تنظر إلى الجنوب - كان دولة ويطالب ويناضل على استعادتها- من زاوية مصلحة الشمال، وكأنّ خريطة الأزمة اليمنية تُقرأ بالمقلوب، فتغدو الأولويات مرتهنة لحسابات لا تعترف بدولة كانت قائمة، ولا بشعب يحلم باستعادة كيانه السياسي المسلوب ودولته المستقلة المحتلة.

لقد صنعت الرياض لنفسها، عبر عقود طويلة، نافذة يمنية شمالية خالصة، تتقن من خلالها قراءة المشهد السياسي اليمني بوصفه امتدادًا طبيعيًّا لعلاقاتها التاريخية مع نخب الشمال وقبائله وأحزابه. فمنذ قيام الجمهورية العربية اليمنية عام 1962، أقامت السعودية جسورًا متينة من المصالح مع تلك القوى، مستخدمة أدوات ناعمة وصلبة في آن، كان أبرزها أنشاء اللجنة الخاصة التي أنشئت خصيصًا لتمتين هذه العلاقات وتغذيتها بالسيولة المادية والنفوذ السياسي بعد المصالحة التي أداراتها بين الجمهوريين والمتوكليين الإمامين. وهكذا، تحوّلت هذه النخب الشمالية، بكل توجهاتها الدينية والمدنية والبرغماتية، إلى أدوات فاعلة في إدارة النفوذ السعودي داخل جموريتهم العربية اليمنية، بحيث صار بإمكان الرياض التحكم بمسارات الدولة اليمنية الشمالية وتوجيه سياساتها وفق مصالحها الإقليمية، بل واستخدام تلك القوى كأوراق ضغط وتوظيف كلما دعت الحاجة إلى ذلك.

أما الجنوب، فكان على النقيض تمامًا؛ فعندما قامت جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية عام 1967، ثم تحولت إلى جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، كانت دولة اكتملت فيها مقومات السيادة بقرار سياسي مستقل، وإرادة وطنية صلبة، وعلاقات إقليمية ودولية متوازنة. وأصبح هذا الكيان الجنوبي السياسي لم يكن بحاجة إلى وصاية أو رعاية، بل كان ندًا سياسيًّا يحترم حدوده وسيادته. ومن هنا، لم تجد اللجنة السعودية الخاصة لنفسها موطئ قدم في عدن كما وجدته في صنعاء، وبقي الجنوب عصيًّا على اختراقات النفوذ الإقليمي والدولي الإ في حدود العلاقة المبنية على المصالح المشتركة على وفق العلاقات الدبلوماسية الحافظة لسيادة الدول، حتى أضعفته التحولات الداخلية ثم ألغته وحدة 1990 التي جاءت متسرعة غير متكافئة.

وحين تفتت الوحدة وتلاشت أحلامها، وبدأت مطالب شعب الجنوب في استعادة دولته تتصاعد بعد عقود من الحروب والاحتلال والهيمنة والتهميش والإقصاء، وجدت السعودية نفسها أمام معادلة جديدة: قوى جنوبية ناشئة لا تعرفها، لا تملك في تاريخ علاقاتها معها خبرة سابقة، ولا تستطيع التعامل معها بالآليات ذاتها التي تعاملت بها مع قوى ونخب الشمال. فضّلت الرياض، في هذه المرحلة، التمسك بالأجندة الشمالية التي تتقن تفاصيلها، وتعرف أين تكمن نقاط ضعف نخبها وانقيادها، بدلًا من المغامرة بالتعامل مع قوى جنوبية ترفع شعارات السيادة والولاء الوطني الخالص، ولا ترتهن لأي وصاية إقليمية مهما كانت مغرياتها.

لقد اختبرت السعودية إمكانية ترويض الجنوب عبر تجارب محدودة في بعض محافظاته التي ترتبط بحدوها، من خلال سياسات التجنيس ومحاولات شراء الذمم والولاءات، فاكتشفت أن قرار الدولة في الجنوب، حتى في غياب مؤسساتها، لا يزال حيًا في وجدان أبنائه، واكتشفت أن هناك سقفًا للسيادة لا يمكن تجاوزه، وأن الوطنية الجنوبية ليست شعارًا صوتيًا وراية ترفع بل عقيدة راسخة يصعب اختراقها، وهكذا، تحوّل الجنوب من منطقة يمكن استرضاؤها إلى عقدة يصعب فكها، بل إلى تهديد محتمل للاستراتيجية السعودية القائمة على إدارة الشمال وقيادته.

وفي المشهد الراهن، يتجلى هذا التوجس السعودي في محاولات ممنهجة لإجهاض مشروع الجنوب التحرري، ومنع قواته من حماية محافظاته، حتى بلغ الأمر حد ضرب تلك القوات وإبادتها تحت ذرائع الأمن القومي السعودي، وكأن الدفاع عن الأرض والعرض جريمة تستوجب القصاص. وتحت هذا الغطاء، تسعى الرياض إلى تفكيك النسيج الجنوبي وقواته والضغط على وفود المجلس لديها بحل حاملهم السياسي ومن خلال شراء بعض المكونات وتفريخ كيانات موازية، واستمالة المشائخ والسلاطين عبر العزف على أوتار ذاكرتهم المؤلمة قبل الاستقلال، لعلهم يعودون إلى مربع التبعية الذي تحرر منه الآباء عام 1967.

ولما كان المجلس الانتقالي الجنوبي برئيسه عيدروس الزُبيدي قد حظي بقبول شعبي واسع والتفاف جماهيري غير مسبوق، سارعت آلة الإعلام المنحازة إلى شيطنة هذه الرمزية الناشئة، ومحاولة إزاحتها عبر حملات تشويه ممنهجة، لعلها توصل رسالة واضحة: لا حل لقضية شعب الجنوب إلا من الباب الذي تدير به الرياض الشمال اليمني. فالجنوب اليوم، بمقوماته الاقتصادية الهائلة، وقواته البشرية الشرسة القادرة على صناعة التحول، يمثل في المخيلة السعودية تهديدًا استراتيجيًّا لا يمكن السكوت عنه، خصوصًا في مناطق تربطها بالرياض علاقة جوار لا تحتمل وجود جبهة مقاومة واعية بذاتها، قادرة على حماية سيادتها والدفاع عن ثرواتها.

غير أن المفارقة الكبرى تكمن في أن هذه السياسة السعودية تجاه الجنوب لم تعد قابلة للاستمرار؛ وكأن التاريخ لا يعيد نفسه، والشعوب التي ذاقت طعم الاستقلال لا تعود إلى القفص والتعبئة والخنوع الوصاية على حساب السيادة.

ومن هنا فقد أدرك الجنوبيون اليوم أن استعادة دولتهم ليست هبة تمنحها القوى الإقليمية، بل حق طبيعي يسترده الشعب بإرادته وتضحياته. وإذا كانت السعودية تنظر إلى الجنوب من منظور مصلحة الشمال، فإن الجنوب بات ينظر إلى نفسه من منظور مصلحة السيادة والاستقلال، وإذا كانت الرياض تخشى من قيام جار قوي على حدودها الجنوبية، فإن التاريخ الحديث يثبت أن الدول القوية جيران آمنون، بينما الدول المنهارة هي التي تهدد أمن محيطها الإقليمي.

لقد آن الأوان لأن تعيد السعودية حساباتها، لا من باب المصلحة فحسب، بل من باب إدراك التحولات الكبرى التي يعيشها الجنوب، لأن محاولات القمع والتهميش والإجهاض لم تعد تجدي مع شعب عرف طريقه إلى الحرية، ويدرك أن السيادة الحقيقية لا تُمنح ولا تُشترى، بل تُنتزع إرادة وتُصان تضحية. وفي النهاية، سينتصر الحق مهما طال الصبر وقسيت المعاناة، وسيبقى الجنوب عنوانًا للكبرياء الوطني الذي لا يخضع للوصاية، ولا يُشترى بتنازلات الشمال مهما تدفقت خزائنه.

وبهذا فالسعودية تدرك أن الجنوب يحب إعادة تعريف العلاقة معها لإدراكه بثقلها وقوة تأثيرها، لكن علاقات مصالح مشتركة قائمة على الثقة واحترام المواثيق الدولية ومحددات الأمن وازالة المخاوف الضامنة لمتطلبات العلاقات التي تحمي وتبني وتحقق الأمن والاستقرار بين الدول المتجاورة.




الأكثر زيارة


عاجل : الرئيس الزبيدي يصدر قرار جديد.

الخميس/12/فبراير/2026 - 04:54 م

كلف الرئيس عيدروس الزُبيدي ، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي رسمياً وضاح الحالمي قائماً بأعمال الأمين العام للمجلس الانتقالي. ويشغل الحالمي رئيس الهيئة


البنك المركزي يقر تسعيرة جديدة: تحسن ملحوظ في سعر صرف الريال.

الخميس/12/فبراير/2026 - 11:33 م

أعلن البنك المركزي اليمني في العاصمة عدن اليوم، عن تحديث جديد لأسعار صرف العملات الأجنبية مقابل الريال اليمني، كاشفاً عن تحسن ملموس في قيمة العملة الو


الحالمي : سنكون على قدر ثقة الرئيس الزُبيدي .. ولن نكون إلا .

الجمعة/13/فبراير/2026 - 12:36 ص

عبّر الأستاذ وضاح الحالمي، القائم بأعمال الأمين العام للأمانة العامة للمجلس الانتقالي الجنوبي، عن بالغ شكره وتقديره للأخ الرئيس القائد عيدروس قاسم الز


وقفة احتجاجية في نيويورك تنديدا باستهداف المتظاهرين الجنوبيي.

الجمعة/13/فبراير/2026 - 01:04 ص

نظم أبناء الجنوب يوم أمس الخميس، وقفة احتجاجية في أمريكا أمام مبنى الأمم المتحدة بمدينة نيويورك للتنديد بجرائم القوات المدعومة سعودياً في حضرموت وشبوة