من يدفع الثمن دائمًا؟ قراءة في تكرار الخسارة العربية
الإثنين - 02 مارس 2026 - 12:08 ص
صوت العاصمة/ كتب / ابراهيم الحداد
في كل حربٍ كبرى تضرب المنطقة، يتكرر المشهد ذاته: قوى دولية تخوض صراعها، وقوى إقليمية تتصارع على النفوذ، بينما تكون الأرض العربية هي الميدان، والإنسان العربي هو الخاسر الأكبر. وكأن العرب في معادلات الحروب ليسوا صانعي قرار، بل ساحة صراع، وغنيمة تقسم بعد انتهاء المعركة.
عندما قادت الولايات المتحدة تحالفًا لإسقاط نظام صدام حسين في العراق عام 2003، جرى ذلك بدعم وتأييد وتنسيق من أطراف عربية مختلفة. ظن البعض أن إسقاط النظام سيؤدي إلى استقرار جديد، لكن ما حدث فعليًا كان انهيارًا لمركز توازن مهم في المنطقة.
النتيجة كانت فراغًا سياسيًا وأمنيًا سرعان ما ملأته إيران عبر أدوات نفوذها وتحالفاتها، فأصبحت عواصم عربية مثل بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء ضمن نطاق تأثيرها السياسي والعسكري بدرجات متفاوتة.
اليوم، ومع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، ووجود إسرائيل كلاعب رئيسي في معادلة المواجهة، يبرز اصطفاف عربي جديد في سياق صراع محتمل لإضعاف أو إسقاط النظام الإيراني. وهنا يطرح السؤال الخطير: هل سيعيد التاريخ نفسه ولكن بنتائج أشد كلفة؟
الحديث هنا ليس دفاعًا عن طهران، ولا تبريرًا لمشروعها التوسعي، بل قراءة لمعادلة القوة: إذا كان إسقاط بغداد فتح المجال لهيمنة إيرانية على أربع عواصم عربية، فإن تفكيك إيران دون وجود مشروع عربي متماسك قد يفتح الباب أمام قوة أخرى لملء الفراغ.
في حال اندلاع مواجهة شاملة وتفكك التوازن الإقليمي، فإن الخطر لا يتمثل في “احتلال مباشر” لعواصم عربية، بل في اتساع دوائر التأثير والهيمنة السياسية والأمنية والاقتصادية. وقد تشمل دوائر الاستهداف أو الضغط عواصم ذات ثقل سياسي واستراتيجي مثل القدس، عمان، القاهرة، الرياض، أبوظبي، المنامة، الدوحة، والكويت — ليس بالضرورة عبر الجيوش، بل عبر النفوذ الأمني، والاختراق الاقتصادي، والتحالفات المفروضة تحت ضغط التهديد.
إن أخطر ما في المشهد هو هشاشة النظام العربي ذاته: انقسامات عميقة، صراعات داخلية، ارتهان أمني للخارج، واقتصادات مرتبطة بمصالح القوى الكبرى. في مثل هذا الواقع، تصبح بعض العواصم أقلامًا في يد الغير، وتتحول بعض الكراسي إلى مواقع تنفيذ لا صناعة قرار.
السياسة لا تعرف العواطف، بل تعرف موازين القوى. ومن لا يمتلك مشروعه المستقل، يصبح جزءًا من مشروع غيره. ومن لا يبني توازنه الذاتي، يبقى تابعًا في كل مواجهة.
الخلاصة أن العرب لن يكونوا رابحين في أي صراع إقليمي كبير ما لم يمتلكوا رؤية موحدة ومشروعًا استراتيجيًا يحمي مصالحهم بعيدًا عن سياسة المحاور. فالحروب تُشعلها القوى الكبرى، لكن نارها تحرق الضعفاء أولًا.
ويبقى السؤال المصيري:
هل سيتحول العرب من ساحة صراع إلى قوة توازن؟ أم سيبقون يدفعون الثمن في كل جولة جديدة؟