وصمة عار … حين يُباع الوطن في سوق المصالح
الإثنين - 02 مارس 2026 - 12:17 ص
صوت العاصمة/ كتب : ابتهال جعبل
ليست كل الخيانات تُرتكب في الظلام، فبعضها يُمارَس تحت أضواء السياسة، وتُغلَّف بشعارات براقة، بينما حقيقتها صفقة بائسة في سوق النخاسة، يُباع فيها الوطن، وتُقايَض فيها المبادئ بثمنٍ مقبوضٍ بدم الشهداء.
سيسجل التاريخ، وتقرأ الأجيال في صفحاته، من الذي تخاذل عن نصرة قضية عادلة، ومن الذي صافح عدواً غادراً كان بالأمس حليفاً، ثم انقلب على العهد حين لاحت له مصالحه. فالتاريخ لا ينسى، وذاكرة الشعوب لا تمحى، ودماء الأبطال ليست رقماً عابراً في معادلة سياسية.
*أطماع النفط… وسياسة الوصاية الجديدة*
لم يكن ما يجري وليد لحظة، بل هو امتداد لسنوات من التخطيط الهادئ، ومحاولات فرض واقع سياسي جديد، تحت مسميات متعددة، بينما الهدف واحد: إحكام السيطرة على مفاصل القرار، ومدّ النفوذ نحو منابع النفط في حضرموت.
لقد رُسمت سياسات تقوم على الوصاية والتدخل في الشؤون الداخلية، واستخدام أدوات محلية لتكريس واقع يخدم أطماعاً استحواذية. أدوات تُحرّكها المصالح، وتغذيها الامتيازات، لتزرع الشقاق بين القيادة والشعب، وتؤجج النعرات القبلية، تمهيداً لتمزيق الصف وإضعاف الجبهة الداخلية.
غير أن من يراهن على تمزيق النسيج الجنوبي يجهل طبيعة هذا الشعب، الذي خبر المؤامرات، وتجاوز المنعطفات، وأثبت في كل مرحلة أنه أصلب من أن يُختَرق، وأوعى من أن يُستدرَج.
*بين التاريخ والسياسة*
من يتأمل مسار نشوء الدول في المنطقة يدرك أن الصراعات على الأرض والثروات ليست جديدة.
فقد شهدت الجزيرة العربية حروباً وتحولات كبرى في بدايات القرن العشرين، وتداخلت فيها حسابات إقليمية ودولية، وأسهمت في إعادة رسم الحدود وتشكيل كيانات سياسية قائمة حتى اليوم، ومن بينها نشوء المملكة العربية السعودية وتوسّعها في محيطها الجغرافي.
غير أن إسقاطات الماضي على الحاضر لا تعني استنساخ الوقائع، فلكل مرحلة ظروفها وسياقاتها. وما يهم اليوم هو أن أي علاقة بين الدول ينبغي أن تقوم على الندية والاحترام المتبادل، لا على منطق الهيمنة أو فرض الإرادة.
*الجنوب العربي… إرادة لا تُقهر*
الوضع في الجنوب العربي يختلف. هنا شعبٌ صاحب قضية، قدّم قوافل من الشهداء، وكتب نضاله بدم أبنائه، وسار سنوات طويلة في درب استعادة دولته وقراره السيادي. هذا الشعب ليس رقماً في معادلة، ولا ورقة ضغط في صراع إقليمي، بل هو صاحب الأرض وصانع مستقبله.
لقد أثبت الجنوبيون، في أصعب الظروف، أنهم حين يلتفون حول قيادتهم، فإنهم يصنعون المعادلات ولا يُملى عليهم واقع. وهم اليوم أكثر وعياً بحجم التحديات، وأكثر إدراكاً لحقيقة ما يدور في الكواليس السياسية.
إن المعركة ليست عسكرية فحسب، بل معركة وعي وصبر وثبات. معركة الحفاظ على القرار الوطني من أي وصاية، وصون الثروات من أي أطماع، وترسيخ شراكة حقيقية تقوم على الاحترام لا الإملاء.
وفي النهاية، سيبقى السؤال معلقاً في عنق كل من باع أو ساوم: ماذا ستقول للتاريخ حين يفتح دفاتره؟
فالزمن يمضي، والوجوه تتبدل، لكن وصمة العار لا تمحى… كما أن إرادة الشعوب، إذا نهضت، لا تُهزم.