الشرق الأوسط بين الصراع والتحولات الإقليمية
الأربعاء - 04 مارس 2026 - 12:45 ص
صوت العاصمة/ كتب/د.عماردجران العمري
يشهد الشرق الأوسط مرحلة انتقالية دقيقة تعيد ترتيب توازنات القوى بعد عقود من النفوذ الإيراني في مسارات الصراع التقليدية. التصعيد الأخير بين إيران والولايات المتحدة–إسرائيل، الذي شمل ضربات جوية واستهداف قادة عسكريين وسياسيين، يمثل خطوة استراتيجية تؤثر على التحالفات العربية وتضع الدول أمام اختبار لقدرتها على حماية أمنها القومي وإدارة مصالحها في ظل ظروف إقليمية معقدة.
بادرت إسرائيل بالتحرك العسكري قبل أي تفاوض، بينما اعتمدت واشنطن سياسة التريث مع مراعاة اعتبارات سياسية واستراتيجية، موازنة بين الضغط العسكري والدبلوماسية لتجنب مواجهة شاملة قد تؤدي إلى تصعيد واسع. يعكس هذا التوازن وعيًا بالمخاطر ويهدف إلى ضبط تحركات القوى الإقليمية بشكل دقيق.
التحديات الاقتصادية والسياسية داخل إيران قد تؤدي إلى تعديل سياسات النظام أو ظهور تيارات أكثر براغماتية، مما سينعكس على وكلائها الإقليميين، وعلى رأسهم «حزب الله» في لبنان، الذي يتأثر بمستقبل السياسة الإيرانية وقدرة الدولة اللبنانية على استعادة سيادتها. تراجع النفوذ الإيراني لا يعني صعود الدور الإسرائيلي بشكل تلقائي بسبب القضية الفلسطينية المستمرة والانقسامات الداخلية وضعف بعض الاتفاقات الإقليمية.
برزت أدوار دولية مثل روسيا وتركيا في محاولة تهدئة التوتر وموازنة النفوذ الإقليمي، ما يزيد تعقيد المشهد ويدفع الدول العربية لإعادة تقييم مواقفها. تتبنى السعودية والإمارات وقطر نهجًا متوازنًا يجمع بين حماية مصالحها وفتح قنوات حوار لتجنب أزمات أمنية واقتصادية، بينما قد تضطر دول أخرى لإعادة النظر في الاعتماد على الدعم العسكري والسياسي الأميركي وسط صعود نفوذ روسي وإيراني.
تسعى القوى الكبرى لتفادي انهيار مفاجئ للنظام الإيراني خشية فوضى إقليمية، ما يفسر مرونة واشنطن في الجمع بين الردع العسكري والدبلوماسية رغم دعمها لإسرائيل. تشير هذه التحولات إلى نهاية الصراع الأيديولوجي التقليدي ودخول المنطقة مرحلة تنافس نفوذ بين قوى إقليمية أكثر براغماتية ضمن سياق دولي متعدد الأقطاب.
التحدي الأكبر أمام الدول العربية يكمن في القدرة على ضبط التوازن بين مصالحها الأمنية والاقتصادية، وضمان التنسيق المشترك لتقليل المخاطر، مع إعادة بناء مؤسسات الدولة في مناطق مثل لبنان وسوريا. توفر المرحلة الانتقالية فرصًا لإعادة صياغة النظام الإقليمي، لكنها محفوفة بالتحديات؛ بدون تنسيق عربي واستقرار داخلي، سيظل النزاع مستمرًا بأشكال جديدة بعيدًا عن أي سلام دائم في الشرق الأوسط.