همس اليراع .. وقفة مع الصديق مصطفى نعمان (1)
الجمعة - 06 مارس 2026 - 03:08 ص
صوت العاصمة/ بقلم / عيدروس نصر
ومضة"علمتني تجربتي الحياتية المتواضعة أن أي إنسان يدخل السلطة لم يعد ولن يعود كما كان وهو خارج السلطة".
تمهيد
لم أكن أتمنى أن تأتي اللحظة التي أدخل فيها في جدال جاد، على خلفية قضايا مؤلمة ومؤسفة وناكئةٍ للجراح، مع الأخ السفير ونائب الوزير والمؤهل لأكثر من وزارة الصديق الأستاذ مصطفى أحمد محمد نعمان.
وقولي هذا ينبع من قضية شخصية جدًّا فأنا أكنُّ احترامًا خاصًّا للصديق السفير مصطفى نعمان والزميل النائب نبيل صادق الباشا، اللذين خصَّاني بزيارة اطمئنان شخصية إلى مكان إقامتي في مدينة شيفيلد البريطانية، في ذروة تعرضي للفشل الكلوي وأثناء إجرائي غسيل الكلى، خلال الفترة 2017- 2018م، وقد كررها السفير مصطفى مرةً ثانيةً.
ومع إنني لست أرسطو ولا مصطفى هو أفلاطون إلَّا إنني وكلَّما اختلفت مع صديقٍ ممن أعزهم كثيراً أتذكر قول أبي الفلاسفة والمعلم الأول أرسطوطيل (الذي يسميه العرب أرسطوطاليس) عند ما انتقد "نظرية المُثُل" لمعلمه أفلاطون، حينما قال أرسطو مقولته الشهيرة "إنني أحب معلمي أفلاطون كثيراً، لكنني أحب الحقيقة أكثر".
* * *
في مطلع العام 23م وقبل أن يصير نائباً لوزير الخارجية قال الأخ مصطفى أن مجلس القيادة الرئاسي غير دستوري وإنه جاء عن طريق الانقلاب على الرئيس الشرعي الفريق عبد ربه منصور هادي، وتساءل : من الذي عين أعضاء مجلس الرئاسة الثمانية مؤكداً ما أكدناه جميعا نحن المشاركون في مشاورات الرياض، أن لا علاقة لقيام المجلس الرئاسي بمخرجات تلك المشاروات.
ومما قاله مصطفى في نفس اللقاء مع قناة "اليمن اليوم" ، ما معناه إننا "كنا نشكو من سوء إدارة الرئيس هادي لكن مجلس الرئاسة طلع أسوأ من هادي".
تضاعف انتشار اسم الصديق مصطفى نعمان وازداد ظهوره على القنوات الفضائية، في الآونة الأخيرة خصوصًا بعد تصريحه الشهير الذي قال فيه ما معناه "إن الوحدويين في الجنوب والشمال، من الشرعيين والحوثيين سيشكلون تحالفاً ضد الانفصاليين الذين يمثلهم المجلس الانتقالي الجنوبي ورئيسه اللواء عيدروس الزبيدي".
هذا القول حسم كل حديث آخر يمكن أن يكون الأخ مصطفى قد قاله عن القضية الجنوبية وعدالتها والمعالجات التي يقول إنه قد أقرها مؤتمر الحوار الوطني وغير ذلك من التخريجات والتصريحات وبعض الفذلكات اللغوية والعبارات الزئبقية التي يمكن توقعها من سياسي محترف قضى نصف عمره في العمل الدبلوماسي الذي يقوم في إغلب الحالات على العبارات المطاطة والتعبيرات الهلامية والمواقف الرمادية التي يمكن أن تقبل عشرات التأويلات.
هذا القول الذي ورد على لسان الأخ مصطفى ليس حكراً عليه فقد ورد على لسان المئات من السياسيين (الشماليين غالباً)، وهو يلخص الفكرة الأساسية لأصحاب نظرية "الوحدة أو الموت" أو "الوحدة المعمدة بالدم" ونظرية "المفسدة الصغرى والمفسدة الكبرى"، وجوهر الفكرة إن "الوحدة اليمنية" لا ينبغي التفريط بها بغض النظر عمن يتحكم بها ويدير البلاد في ظلِّها، حتى لو كان مريضاً معتوهاً سلالياً عنصرياً يزعم الوصاية الإلاهية على كل اليمنيين لأنه من سلالة منتقاة انتقاءً ربانيًا لا ينافسه عليه أحد، ومن هذا المنطلق فإن الذين دعوا إلى استباحة دماء وأرواح الجنوبيين وقتل أطفالهم ونسائهم تحت حجة "درئ المفسدة الكبرى"، في حرب الغزو والعدوان (1994) ومعهم غزاة 2015م جميعهم وحدويون، ويكون الأئمة القاسميون الذين غزوا كل مناطق (الشمال) والجنوب من لحج حتى المكلا وسيؤون وما بينها من سلطنات ومشيخات وحدويون .
شخصيًا لا أنظر إلى هذا التعبير الذي أورده الصديق مصطفى على إنه غلطةٌ لفظية أو خطأٌ دبلوماسيٌ، بل إن الخطأ يأتي حينما ننتظر من موظفٍ كبيرٍ في منظومةٍ ينخرها الفساد من أساسها إلى رأسها ويتخلل جميع مفاصلها، ننتظر منه أن ينحاز إلى الموقف الذي يتعارض مع موقف المنظومة التي يعمل لديها، بغض النظر عما إذا كانت تلك المنظومة دستوريةً أم غير دستوريةٍ (كما وصفها الصديق مصطفى في لقائه مع قناة اليمن اليوم قبل سنوات)، فاعلةً أم عديمةَ الفعل، مستقرةً أم في حالة هجرةٍ دائمة، وحينما تكون الحالة مركبة وشديدة التعقيد مثل حالة اليمن التي تتعدد فيها الثنائيات: ثنائية الشرعية والانقلاب أو الحوثيين والسلطات الشرعية، ثنائية الشمال والجنوب، ثنائية القبيلة والدولة وثنائية (الوحدة والانفصال) كما يسمونها، حينما يكون الأمر كذلك يمكننا أن نتفهم أسباب الاندفاع الذي يبديه الكثيرون من مؤيدي هذه المنظومة البائسة.
ما تألمت له ليس تبني الأخ مصطفى لمواقف لم يكن يتبناها قبل التحاقه بالسلطات (غير الدستورية) فالاختلاف بين البشر بمن فيهم الأصدقاء أمر وارد وطبيعي، بل وصحي، لكن ما آلمني هو أن يلجأ الأخ مصطفى إلى الأكاذيب والافتراءات التي تكررها قنوات اسطنبول وإعلامييها ومن يدور في فلكهم، فقد ورد على لسانه وفي منتدى الجزيرة وعلى مسامع المئات من القادة السياسيين والباحثين والإعلاميين من العرب وغير العرب إن المجلس الانتقالي الجنوبي كان يسيطر على كل الموارد المالية في كل محافظات الجنوب، مع علم الأخ مصطفى وعلم الجميع أن الانتقالي لم يكن لديه سوى محافظٍ واحد فقط هو محافظ العاصمة عدن التي يتقاسم إدارتها مع رؤساء الحكومات ووزاراتها المختلفة، كما إن هناك تقارير من بينها تقرير وزارة المالية المقدم إلى اللجنة المالية لمجلس النواب في العام 2023م الذي أورد أن المحافظتين الوحيدتين اللتين أوردتا التحصيلات المالية لعام 2022م إلى البنك المركزي هما عدن وحضرموت، بينما بقية المحافظات أمثال المهرة ومأرب وهما محافظتان نفطيتان ومعهما شبوة وتعز (ولن أتحدث عن المحافظات الواقعة تحت السيطرة الحوثية) لم تورد عائداتها المالية إلى البنك المركزي، ويعلم مصطفى وكل المتقولين بأن القوات الجنوبية التي يسمونها بـ"ميليشيات المجلس الانتقالي" لم تنتشر إلَّا في محافظات عدن ولحج والضالع وأبين، وهي المحافظات التي جرى فيها هزيمة تحالف حرب 2015م (الوحدوي) ، وهو ما يدحض أكذوبة أن الانتقالي كان يسيطر على كل الموارد في الجنوب، كما أشار مصطفى، وأتوقع منه أن يعتذر عن هذه الأكذوبة حفاظاً على المصداقية التي ما نزال نفترض أنه يحرص على التحلي بها.
موضوع "الوحدة والوحدوية والوحدويين" للأسف الشديد تحول لدى الكثير من السياسيين اليمنيين، من هدف نبيل يكمن مغزاه في الحياة الحرة والكريمة ورفع معيشة الناس والنهوض التنموي والمعنوي والاقتصادي والخدمي والأمني والإنساني عموماً، تحول إلى ما يشبه الصنم المقدس عند المجتمعات الوثنية، فالذين يتحدثون عن قدسية الوحدة والدولة الواحدة برئيس واحد وجيش واحد وعاصمة واحدة لا يقولون لنا ما هو مضمون هذه الدولة، وحينما تقول لهم أن تجربة 1990م قد فشلت، وهي فعليًا كانت مرشحةً للفشل حتى بدون النزاع بين طرفيها وبدون الحرب الإجرامية ضد الجنوب واحتلاله وما ترتب على كل ذلك من سحق وتدمير لكل معاني الدولة والحياة المؤسسية والمدنية - عندما نقول لهم ذلك ينبري من يقول لك: "العيب ليس في الوحدة ولكن في الذين قادوها" ويجري الحديث عن الرئيسين علي صالح وعلي البيض، وكأنهم يقولون لنا أن عبد الملك الحوثي ومهدي المشاط وعلي محسن أو رشاد العليمي أو طارق عفاش أو سلطان العرادة وسالم الخنبشي وعبد الله العليمي ومن يتطلعون إلى السيطرة على الدولة التي يتحدثون عنها، سيكونون ملائكةً منزلين من السماء أو أبنياء مرسلين من رب السماء، وليسوا تلاميذَ نجباء لنفس المدرسة التي دمرت الدولة وحلم الوحدة وحولت الجنوب والشمال إلى كومة من الخرائب المزمنة ، أو كانهم يقولون لنا فوضونا وسترون كيف نحافظ لكم على الوحدة المثالية الفردوسية التي نسبق بها اليابان والصين وسويسرا والولايات المتحدة الأمريكية في التطور والازدهار.
وفي كل الأحوال شكرًا للأخ مصطفى فقد أعفانا من الكثير من الاجتهاد في الشرح والتحليل والتركيب والتفكيك، حينما أوضح للجميع بأن الوحدة ينبغي أن تبقى وتصمد وتستمر حتى حتى لو بقيت تحت قيادة صاحب الكهف، ويبدو لي أن التسابق على المراهنة على ما يسمى بـ"خارطة الطريق"، قد أغرى الكثيرين مما جعلهم يتصورون أن تنفيذ هذه الخارطة، سيحول عبد الملك الحوثي وجماعته العنصرية إلى جماعة من خبراء القانون والدستور والكائنات الوديعة التي سيشارك أفرادها في بناء الدولة المدنية التي قد يحلم به بعض هؤلاء المتحمسين، وهم لا يعلمون وربما يعلمون، أنه حتى لو جرى تنفيذ تلك الخارطة فلن يكون نصيب أي منهم عند عبد الملك سوى نصيب أي واحد ممن يسمونهم بــ" الزنابيل" حتى لو كانوا رؤساء أو رؤساء حكومات أو وزراء.
وكما قلت إن المؤسف والمحزن ليس أن يتخذ مصطفى أو أي شخص آخر موقفاً مغايراً لما كنت وكان كثيرون يتوقعونه منه، لكن المؤسف هو أن يسخِّر شخصٌ مثل هذا الصديق الدبلوماسي العريق سليل الأسرة المناضلة ذات السجل الناصع في قيادة الثورة والحفاظ على الجمهورية في "العربية اليمنية" أن يسخر مهاراته الدبلوماسية في تسويق أفكار ورؤى لا تتطابق مع حقائق الواقع على الأرض أو أن يقوم بإسقاط نظائر من بلدان غير مطابقة لهذا الواقع الذي يتحدث عنه.
ولأنني لا أرغب في إطالة حديثي فسأتناول بعضاً (ضئيلاً) مما صدر عن الأخ مصطفى خلال الأيام الأخيرة التي بدا نجمه بفضلها أكثر تألقا من أي وزيرٍ أو زعيمٍ سياسي أو قائدٍ ميدانيٍ أو عسكريٍ على الخارطة الإعلامية اليمنية والعربية.
وذلك ما سأتناوله في الوقفة القادمة