د. توفيق جوزليت : الحرب الإعلامية الممنهجة على الجنوب… بين التضليل الخارجي وغياب الفعل الإعلامي الجنوبي
الثلاثاء - 10 مارس 2026 - 10:39 م
صوت العاصمة/ بقلم / الدكتور توفيق جوزليت
في زمن تتراجع فيه المواجهات العسكرية المباشرة، أصبحت المعركة الإعلامية أخطر وأعمق أثراً في تشكيل وعي الشعوب وتوجيه مواقفها. وما يتعرض له الجنوب اليوم ليس مجرد اختلاف في الآراء أو جدل سياسي طبيعي، بل هجوم إعلامي منظم تشارك فيه أطراف متعددة، تتقاطع مصالحها في هدف واحد: إرباك الرأي العام الجنوبي وإضعاف ثقته بقضيته العادلة.
هذا الهجوم الإعلامي تقوده منصات وشبكات مرتبطة بالإخوان المسلمين والحوثيين، وتدعمه أحياناً دوائر إعلامية أخرى، ويعتمد أساساً على منصات التواصل الاجتماعي التي أصبحت ساحة مفتوحة لبث الشائعات وصناعة الأخبار المضللة.
الهدف واضح: زرع الشك داخل المجتمع الجنوبي، وإظهار القضية الجنوبية وكأنها تعاني من انقسامات عميقة وفقدان للبوصلة السياسية. ويعتمد هذا الإعلام على عدة أساليب معروفة في الحروب النفسية، من بينها تضخيم الأخطاء، وتحويل أي خلاف سياسي إلى صراع وجودي، إضافة إلى نشر أخبار غير موثقة تُقدَّم وكأنها حقائق ثابتة. ومع مرور الوقت، تتحول هذه الرسائل المتكررة إلى أداة للتأثير في وعي المواطن العادي الذي قد يجد نفسه أمام سيل من المعلومات المتناقضة.
هنا تكمن الخطورة الحقيقية.
فالمواطن الجنوبي البسيط قد لا يمتلك دائماً الوسائل الكافية للتمييز بين الحقيقة والتضليل، وهو ما يجعل الثقة العمياء في هذا الإعلام المفروض خطراً حقيقياً على وحدة الموقف الجنوبي. ولذلك فإن الوعي النقدي والتدقيق في مصادر الأخبار أصبحا ضرورة وطنية، لا مجرد خيار.
غير أن المشكلة لا تتوقف عند حدود الهجوم الإعلامي الخارجي. فالمفارقة المؤلمة أن الإعلام الجنوبي نفسه يشهد حالة من التراجع والتقلص في الوقت الذي تفرض فيه المرحلة تطويره وتعزيز حضوره.
لقد أصبح من الواضح أن الفضاء الإعلامي الجنوبي يفتقر في كثير من الأحيان إلى استراتيجية واضحة وخطاب موحد قادر على مخاطبة الداخل والخارج بلغة سياسية وإعلامية مؤثرة.
إن قضية بحجم القضية الجنوبية تحتاج إلى إعلام حديث، مهني، ومنظم، قادر على إدارة المعركة الإعلامية بوعي ومسؤولية، لا أن يظل محصوراً في ردود الفعل أو في صراعات داخلية تستنزف طاقاته. فالإعلام ليس مجرد أداة لنقل الأخبار، بل هو سلاح استراتيجي في معركة الوعي والرأي العام.
ومن هنا فإن المرحلة الراهنة تفرض مراجعة جدية لوضع الإعلام الجنوبي، والعمل على تطويره ليصبح قادراً على مواجهة حملات التضليل، وتقديم خطاب عقلاني يشرح عدالة القضية الجنوبية للرأي العام العربي والدولي.
في النهاية، يجب أن يدرك المواطن الجنوبي أن المعركة اليوم هي معركة وعي قبل أن تكون معركة سياسة. وكلما ازداد وعي المجتمع بأساليب التضليل الإعلامي، كلما أصبحت هذه الحملات أقل قدرة على التأثير في مسار القضية الجنوبية.