أخبار دولية



من يستنزف في حرب الظلال بين واشنطن وتل أبيب وطهران؟

الأربعاء - 11 مارس 2026 - 12:03 ص

 من يستنزف في حرب الظلال بين واشنطن وتل أبيب وطهران؟

صوت العاصمة/ متابعات


بعد مرور الاسبوع الاول على اندلاع المواجهة غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، بدأت ملامح معركة مختلفة تتشكل في المشهد الإقليمي؛ معركة لا تُقاس فقط بعدد الصواريخ التي أُطلقت، ولا بحجم الضربات الجوية التي نُفذت، بل بميزان الاستنزاف الطويل الذي قد يحسم الصراع قبل أن تصل الأطراف إلى مواجهة شاملة. ففي الحروب الكبرى لا يكون السؤال من يضرب أكثر، بل من يستطيع أن يتحمل الضربات لفترة أطول دون أن ينهار سياسياً أو اقتصادياً أو عسكرياً.
خلال الأيام الأولى من التصعيد بدا أن الولايات المتحدة وإسرائيل تحاولان فرض إيقاع عسكري سريع عبر ضربات مركزة تستهدف القدرات العسكرية الإيرانية أو حلفاء طهران في المنطقة. الرسالة كانت واضحة: الضغط العسكري الكثيف لردع إيران ومنعها من توسيع نفوذها أو تهديد المصالح الغربية في الشرق الأوسط. لكن طهران، التي راكمت خبرة طويلة في إدارة الصراعات غير المتكافئة، لم تدخل المواجهة بالطريقة التقليدية التي قد تمنح خصومها تفوقاً حاسماً، بل اعتمدت استراتيجية تقوم على توزيع الصراع وتفكيكه إلى ساحات متعددة، بحيث يتحول كل يوم إضافي في الحرب إلى عبء ثقيل على خصومها.
في هذه المعادلة تبدو إيران وكأنها تراهن على الزمن أكثر من رهانها على الضربة المباشرة. فهي تدرك أن الولايات المتحدة تمتلك تفوقاً عسكرياً ساحقاً، لكنها تدرك أيضاً أن هذا التفوق لا يتحول دائماً إلى انتصار سريع، خاصة عندما يتحول الصراع إلى شبكة معقدة من الجبهات الممتدة من الخليج إلى البحر الأحمر مروراً بالعراق وسوريا ولبنان. وكلما اتسعت رقعة التوتر ارتفعت كلفة العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية، سواء من حيث الانتشار العسكري أو حماية القواعد أو تأمين الملاحة الدولية.
من جهة أخرى، تراهن واشنطن وتل أبيب على استنزاف إيران اقتصادياً وعسكرياً عبر ضربات دقيقة وتضييق الخناق على قدراتها الصاروخية وبرامجها العسكرية، إضافة إلى محاولة إضعاف شبكات النفوذ التي بنتها طهران في المنطقة خلال السنوات الماضية. لكن هذا الرهان يصطدم بحقيقة أن إيران اعتادت العمل تحت ضغط العقوبات والحصار منذ عقود، ما جعلها تطور نموذجاً خاصاً لإدارة الأزمات يعتمد على الصبر الاستراتيجي والقدرة على المناورة.
وفي الوقت الذي تبدو فيه الضربات العسكرية أكثر وضوحاً على الشاشات، فإن معركة الاستنزاف الحقيقية تجري خلف الكواليس. فكل صاروخ اعتراضي تطلقه منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية أو الأمريكية يكلف مئات الآلاف من الدولارات، بينما تعتمد إيران في كثير من الأحيان على وسائل أقل تكلفة لكنها كافية لإبقاء حالة التوتر مشتعلة. وهنا تبدأ معادلة الاستنزاف الاقتصادية في الظهور ببطء، حيث يتحول الحفاظ على الجاهزية العسكرية القصوى إلى عبء مالي وسياسي متزايد.
كما أن الحرب النفسية والإعلامية أصبحت جزءاً أساسياً من هذا الصراع. فكل طرف يسعى لإظهار نفسه في موقع القوة والثبات، بينما يحاول تصوير خصمه وكأنه الطرف الذي يتعرض للنزيف الحقيقي. إيران تحاول إقناع جمهورها وحلفائها بأنها قادرة على الصمود وفرض معادلات ردع جديدة، بينما تسعى إسرائيل والولايات المتحدة لإثبات أن طهران تدفع ثمناً باهظاً لأي تصعيد وأن قدرتها على المناورة تتقلص يوماً بعد يوم.
لكن أخطر ما في هذه المواجهة هو أنها لا تسير وفق خط مستقيم. فكلما طال أمد التوتر زادت احتمالات الانزلاق إلى مواجهات أوسع قد تشمل أطرافاً إقليمية أخرى، وهو ما قد يحول الصراع من حرب استنزاف محدودة إلى أزمة إقليمية كبرى تهدد استقرار المنطقة بأكملها. وفي هذه الحالة لن يكون السؤال من يستنزف من، بل من يستطيع النجاة من تداعيات حرب قد تعيد رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط.
ومع نهاية الأسبوع الأول تبدو الصورة ضبابية أكثر من أي وقت مضى. فلا الولايات المتحدة وإسرائيل تمكنتا من توجيه ضربة قاصمة لإيران، ولا طهران استطاعت فرض معادلة ردع حاسمة تغير ميزان القوى بشكل واضح. وما يحدث فعلياً هو سباق صبر طويل، حيث يحاول كل طرف دفع الآخر إلى نقطة الإنهاك السياسي والعسكري.
لذلك فإن السؤال الحقيقي بعد أسبوع من المواجهة ليس من انتصر في المعركة الأولى، بل من يمتلك القدرة على تحمل حرب الاستنزاف الأطول. وفي تاريخ الصراعات الكبرى غالباً ما يكون المنتصر ليس الطرف الأقوى في البداية، بل الطرف الذي يستطيع البقاء واقفاً عندما يبدأ الجميع في التعب. وفي الشرق الأوسط، حيث تختلط الحسابات العسكرية بالسياسة والاقتصاد والعقيدة، قد تكون هذه الحرب مجرد بداية لفصل أطول وأكثر تعقيداً من الصراع على النفوذ والهيمنة في المنطقة.



الأكثر زيارة


القضية الجنوبية وأخطاء السياسة: هل تعيد السعودية إنتاج سياسا.

الأربعاء/21/أكتوبر/2026 - 03:40 م

إن أخطر ما يمكن أن تقع فيه أي دولة أو قوة سياسية هو أن تتعامل مع الواقع وفق ما تريد أن يكون، لا وفق ما هو عليه فعلًا. فالقضايا الوطنية لا تُحل بفرض ال


البيض: الوحدة غير قابلة للاستمرار وفجر اليمن انـ.ـتحار سياسي.

الأربعاء/21/أكتوبر/2026 - 11:06 م

أكد الممثل الخاص لرئيس المجلس الانتقالي الجنوبي العربي للشؤون الخارجية عمرو البيض، إن الوحدة اليمنية لم تعد قابلة للاستمرار، موضحا أن عملية "فجر اليمن


مطالبات شعبية في خنفر بمنع حمل السـ.ـلاح ليلاً لسائقي الدراج.

الأربعاء/21/أكتوبر/2026 - 11:31 م

تصاعدت المطالبات الشعبية في مديرية خنفر بمحافظة أبين، بضرورة تعزيز الإجراءات الأمنية واتخاذ تدابير حازمة للحد من المظاهر التي تهدد الأمن والاستقرار، و


التعزية التي حولت الصدمة إلى عقيدة وصمود ..

الأربعاء/21/أكتوبر/2026 - 11:17 م

أ- المقدمة : حين يصدر الخطاب السياسي في لحظات الانكسار الدموي ، فإنه يتجاوز آليات العزاء البروتوكولي ليتحول إلى وثيقة تأسيسية لإدارة الوعي والردع وهذا