رغم المضايقات: شعب الجنوب يؤكد ثباته على مبادئ استعادة دولة الجنوب
الأحد - 15 مارس 2026 - 12:13 ص
صوت العاصمة/ الصوت الجنوبي
في وقت تتصاعد فيه الضغوط السياسية والأمنية على المجلس الانتقالي الجنوبي، يواصل الشارع الجنوبي تأكيد تمسكه بمشروع استعادة الدولة الجنوبية، في مشهد يعكس عمق التحول الذي شهدته الوعي السياسي في الجنوب خلال السنوات الأخيرة.
فبين حملات الاعتقال، وإغلاق مقرات المجلس، ومحاولات التضييق على أنشطته الجماهيرية، يبدو أن إرادة شعب الجنوب أصبحت أكثر صلابة، مدفوعة بقناعة متزايدة بأن المجلس الانتقالي يمثل التعبير السياسي الأبرز عن تطلعاته الوطنية.
وخلال الأسابيع الماضية، خرج الآلاف من أبناء الجنوب في سيئون والمكلا وعدن وعتق والضالع وأبين في مسيرات واعتصامات شعبية واسعة، رافعين أعلام الجنوب وصور قيادة المجلس الانتقالي، ومؤكدين أن خيار استعادة الدولة الجنوبية لم يعد مجرد شعار سياسي، بل تحول إلى مطلب جماهيري راسخ.
ويرى مراقبون أن هذه التحركات الشعبية تعكس استمرار الحاضنة الاجتماعية الواسعة للمجلس الانتقالي الجنوبي، رغم محاولات التضييق عليه سياسياً وأمنياً. كما تشير إلى أن المجلس نجح في الحفاظ على حضوره التنظيمي والسياسي، مستنداً إلى قاعدة شعبية متينة في مختلف محافظات الجنوب.
الصحفي الجنوبي محمد نداع قال في حديث لـ"الصوت الجنوبي" إن ما يجري اليوم في الجنوب “يعكس صموداً سياسياً وشعبياً غير مسبوق”، مؤكداً أن المجلس الانتقالي أصبح بالنسبة لكثير من الجنوبيين “الإطار السياسي الذي يجسد تطلعاتهم في استعادة الدولة وبناء مؤسسات قادرة على إدارة الجنوب بعيداً عن الوصاية”.
وأضاف نداع أن “محاولات التضييق على المجلس، سواء عبر الاعتقالات أو إغلاق المقرات أو منع الفعاليات الجماهيرية، لم تؤدِ إلا إلى نتيجة عكسية، إذ عززت من التفاف الشارع حول المجلس وقيادته”.
وكانت مدينة سيئون في وادي حضرموت قد شهدت واحدة من أبرز هذه التحركات، حين خرجت مسيرة جماهيرية واسعة دعا إليها المجلس الانتقالي، في 6 فبراير الماضي، للمطالبة بإخراج القوات الشمالية وتمكين القوات المحلية من إدارة الملفين الأمني والعسكري.
ورفع المشاركون أعلام الجنوب ورددوا شعارات تؤكد تمسكهم بمسار استعادة الدولة الجنوبية ورفض أي محاولات لتقويض المجلس أو تحجيم دوره.
غير أن هذه المسيرة أعقبتها حملة اعتقالات ومداهمات طالت عدداً من النشطاء والصحفيين، بينهم ناشطون شاركوا في تنظيم الفعالية. ووصفت قيادة المجلس الانتقالي في وادي حضرموت تلك الإجراءات بأنها “نمط من القمع السياسي المنظم”، مشيرة إلى استخدام القوة لتفريق متظاهرين سلميين واحتجاز عدد من المشاركين.
ورغم تلك الإجراءات، لم يتراجع الحراك الشعبي، بل اتسع ليشمل مدناً أخرى في الجنوب. ففي مدينة المكلا بساحل حضرموت، احتشد آلاف المواطنين في مسيرة جماهيرية تحت شعار “الثبات والتحدي”، مؤكدين دعمهم للمجلس الانتقالي ورفضهم حملات الاعتقال التي طالت نشطاء وادي حضرموت.
وشهدت المسيرة مشاركة نسوية لافتة، حيث خرجت مجموعات من النساء رافعات أعلام الجنوب وصور قيادة المجلس، في مشهد يعكس اتساع قاعدة المشاركة الشعبية في الحراك الجنوبي.
الصحفي الجنوبي همام الربيعي قال لـ"الصوت الجنوبي" إن “اللافت في التحركات الأخيرة هو أنها لم تقتصر على النخب السياسية أو التنظيمات الحزبية، بل شاركت فيها مختلف فئات المجتمع، من شباب ونساء ووجهاء قبائل وناشطين مدنيين”.
وأضاف أن “هذا الحضور الشعبي الواسع يعكس قناعة راسخة لدى الجنوبيين بأن مشروع استعادة الدولة لم يعد خياراً سياسياً مؤقتاً، بل أصبح قضية وجود وهوية”.
وفي محافظة شبوة، شهدت مدينة عتق واحدة من أكثر الأحداث دموية، عندما استخدمت قوات الأمن الرصاص الحي لتفريق تظاهرة سلمية دعا إليها المجلس الانتقالي، ما أسفر عن سقوط عدد من القتلى والجرحى، بينهم أطفال، وفق مصادر طبية محلية.
ورغم سقوط الضحايا، أظهرت مشاهد مصورة استمرار الحشود في التقدم نحو ساحة الاحتشاد، في مشهد اعتبره كثيرون دليلاً على حجم الإصرار الشعبي على مواصلة الحراك.
وقال همام الربيعي إن “ما حدث في عتق كشف أن الرصاص لم يعد قادراً على كسر إرادة الشارع الجنوبي”، مشيراً إلى أن “كل محاولة لقمع الاحتجاجات تزيد من قناعة الجنوبيين بأن مشروعهم الوطني يواجه مقاومة لأنه يمثل تحولاً حقيقياً في معادلة السلطة”.
وفي العاصمة عدن، تصاعد التوتر السياسي بعد إغلاق مقرات رئيسية للمجلس الانتقالي، بينها الأمانة العامة والجمعية العمومية وهيئة الشؤون الخارجية، في خطوة اعتبرها المجلس محاولة لتعطيل مؤسساته وفرض واقع سياسي بالقوة.
ووفق قيادات في المجلس، فإن هذه الإجراءات جاءت بتوجيهات من رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، وهو ما أثار موجة انتقادات واسعة في الأوساط الجنوبية.
ويرى محمد نداع أن “إغلاق مقرات المجلس الانتقالي لم يكن مجرد إجراء إداري، بل رسالة سياسية تعكس قلق بعض الأطراف من تنامي الحضور الشعبي للمجلس في الجنوب”.
وأضاف أن “المفارقة تكمن في أن هذه الإجراءات جاءت في وقت كان يفترض فيه تعزيز الشراكة داخل معسكر القوى المناهضة للحوثيين، لا فتح جبهات سياسية داخل عدن”.
ويؤكد مراقبون أن المجلس الانتقالي الجنوبي تمكن خلال السنوات الماضية من بناء شبكة تنظيمية واسعة، تجمع بين العمل السياسي والحضور الشعبي والقدرة على إدارة الأزمات، وهو ما جعله الطرف الأكثر تأثيراً في المشهد الجنوبي.
كما أن قدرته على تنظيم الفعاليات الجماهيرية وإدارة الاعتصامات والاحتجاجات السلمية تعكس مستوى عالياً من التنظيم والتنسيق بين مختلف مؤسساته وقواعده الشعبية.
وقال همام الربيعي إن “المجلس الانتقالي نجح في تحويل الزخم الشعبي إلى أداة ضغط سياسية فعالة، وهو ما يجعله اليوم اللاعب الأكثر حضوراً في الجنوب”.
وأضاف أن “أي محاولة لتهميش المجلس أو تجاوز إرادة الشارع الجنوبي لن تؤدي إلا إلى مزيد من الاحتقان، لأن القضية الجنوبية أصبحت اليوم أكثر تجذراً في وعي المجتمع”.
وفي ظل هذه التطورات، يرى كثير من المراقبين أن ما يجري في الجنوب يعكس مرحلة جديدة من الصراع السياسي حول مستقبل المنطقة، حيث يسعى المجلس الانتقالي إلى تثبيت حضوره كقوة سياسية رئيسية تمثل تطلعات الجنوبيين في استعادة دولتهم.
لكن في المقابل، تؤكد التحركات الشعبية المتواصلة أن الكلمة الأخيرة ستظل للشارع الجنوبي، الذي أثبت مراراً أنه قادر على تجاوز الضغوط والتحديات.
ويختتم محمد نداع حديثه لـ"الصوت الجنوبي" بالقول إن “الرسالة التي يبعثها شعب الجنوب اليوم واضحة: رغم المضايقات والضغوط، فإن إرادة استعادة الدولة الجنوبية أصبحت خياراً لا رجعة عنه”.
وأضاف أن “المجلس الانتقالي الجنوبي، بما يمتلكه من قاعدة شعبية وتنظيم سياسي، سيظل العنوان الأبرز لهذه الإرادة حتى تحقيق تطلعات الجنوبيين في دولتهم المستقلة”.