القضية الجنوبية في عين الإعصار … حين يكون الهدوء أخطر من الضجيج
الثلاثاء - 17 مارس 2026 - 12:18 ص
صوت العاصمة/ متابعات
في اللحظات التي تبدو فيها الساحة هادئة، كثيراً ما تكون تلك اللحظات هي الأكثر امتلاءً بالتوتر والتحولات الخفية. فالتاريخ السياسي للصراعات يقول إن الهدوء لا يعني دائماً الاستقرار، بل قد يكون في أحيان كثيرة مقدمة لعاصفة كبيرة. واليوم تقف القضية الجنوبية في قلب هذا المشهد، حيث يتقاطع الصمت السياسي مع حركة خفية للأحداث، لتبدو المرحلة الحالية وكأنها ذلك الهدوء الثقيل الذي يسبق انفجار العاصفة.
منذ سنوات، شكّلت القضية الجنوبية أحد أكثر الملفات تعقيداً في المنطقة، ليس فقط بسبب جذورها التاريخية العميقة، بل أيضاً بسبب تشابكها مع مصالح إقليمية ودولية متعددة. ومع كل منعطف سياسي أو عسكري تمر به المنطقة، تعود هذه القضية إلى واجهة الأحداث، لكنها في هذه المرحلة تبدو وكأنها دخلت طوراً مختلفاً؛ طور الهدوء الحذر الذي يخفي وراءه الكثير من الأسئلة والاحتمالات.
على الأرض، تبدو الجبهات الحراك الشعبي أقل اشتعالاً مما كان عليه في مراحل سابقة، لكن هذا التراجع النسبي في التصعيد لا يعكس بالضرورة وقف الثصعيد أو حتى تجميده. فالصراعات الحديثة لم تعد تُدار فقط بالبندقية، بل بالسياسة والاقتصاد والإعلام وإعادة ترتيب التحالفات. وفي هذا السياق، يبدو أن الجنوب يمر بمرحلة إعادة تشكيل موازين القوى، حيث تتحرك الأطراف المختلفة بهدوء لإعادة رسم خريطة النفوذ والتأثير.
في الشارع الجنوبي،و لا يزال الوعي السياسي حاضراً بقوة، وقد تشكل خلال السنوات الماضية شعور جمعي بأن القضية لم تعد مجرد مطلب سياسي عابر، بل مشروع وجودي بالنسبة لقطاع واسع من المجتمع. هذا الشعور، الذي تعمّق بفعل سنوات الصراع والتضحيات، جعل القضية الجنوبية أكثر تجذراً في الوجدان الشعبي، حتى في الفترات التي يخيّم فيها الهدوء على المشهد.
لكن في المقابل، فإن هذا الهدوء يثير أيضاً الكثير من المخاوف والتساؤلات. فالبعض يرى أن ما يجري ليس سوى إعادة ترتيب للأوراق خاصه مع التفاهمات الاقليميه في الغرف المغلقة، حيث تُصاغ التفاهمات والتسويات بعيداً عن الأضواء. للتامر على فضيه الجنوب ومحاوله تمزيث النسيج المجتمعي الجنوبي بشراء الولاءاث ومحاوله تفتيت المؤسسه العسكريه الجنوبيه بمحاوله تذويب لها في الوزارات التابعه للشرعيه اليمنيه وفي مثل هذه اللحظات، غالباً ما تتسارع التحركات السياسية والإقليمية، لأن كل طرف يسعى إلى تثبيت موقعه قبل أي تحول كبير قد يعيد رسم المشهد بالكامل.
التحولات الإقليمية التي تشهدها المنطقة تضيف طبقة أخرى من التعقيد إلى المشهد. فالتوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، والتنافس بين القوى الكبرى، وانعكاسات الأزمات الاقتصادية والسياسية، كلها عوامل تجعل مستقبل المنطقة مفتوحاً على احتمالات متعددة. وفي مثل هذا السياق المضطرب، تصبح القضايا المحلية – مثل القضية الجنوبية – جزءاً من لعبة أكبر تتداخل فيها الحسابات الداخلية مع التوازنات الإقليمية.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في هذه المرحلة هو ذلك الشعور المتزايد بأن المشهد يقف على حافة تغيير كبير. فالتاريخ السياسي للمنطقة مليء بالمراحل التي سبقت التحولات الكبرى بحالة من الصمت النسبي، قبل أن تنفجر الأحداث بشكل مفاجئ. وهذا ما يجعل كثيرين ينظرون إلى المرحلة الحالية باعتبارها فترة ترقب أكثر منها فترة استقرار.
الجنوب اليوم لا يعيش فقط معركة سياسية أو عسكرية، بل يعيش أيضاً معركة سردية وهوية. فكل طرف يحاول أن يروي قصة مختلفة عن مستقبل المنطقة، وأن يقنع الداخل والخارج برؤيته الخاصة. وفي مثل هذه المعارك، يصبح الإعلام والرأي العام جزءاً من ساحة المواجهة، لأن كسب المعركة في الوعي لا يقل أهمية عن كسبها على الأرض.
ورغم كل التحديات، فإن القضية الجنوبية تبدو حتى الآن قادرة على البقاء في قلب المعادلة السياسية. فحضورها المستمر في النقاشات المحليه و الإقليمية والدولية يعكس حقيقة أنها لم تعد قضية هامشية يمكن تجاوزها بسهولة. بل أصبحت جزءاً من أي تصور لمستقبل المنطقة وترتيباتها السياسية.
لكن السؤال الأكبر الذي يطرحه كثيرون اليوم هو: هل يقود هذا الهدوء إلى مواجهه تصعيديه تعيد رسم شكل المرحلة القادمة، أم أنه مجرد استراحة قصيرة قبل جولة جديدة من الصراع؟ الإجابة عن هذا السؤال لا تزال معلقة بين احتمالات متعددة، لأن المنطقة بأكملها تمر بمرحلة سيولة سياسية غير مسبوقة.
في نهاية المطاف، قد لا يكون الهدوء الذي يخيّم على المشهد الجنوبي اليوم علامة على نهاية العواصف، بل ربما يكون لحظة الترقب التي تسبقها. فالعواصف الكبرى في التاريخ غالباً ما تبدأ بصمت طويل، قبل أن تتحول فجأة إلى حدث يغيّر ملامح المشهد بأكمله. وبين هذا الصمت وذلك الاحتمال، تبقى القضية الجنوبية واقفة في قلب الإعصار، تراقب حركة الرياح القادمة وتستعد لما قد تحمله الأيام المقبلة.
#ذكرى_انتصار_العاصمه_عدن