أزماتنا مكاسب وكوارثنا مصالح… اقتصاد العجائب في يمن التناقضات
الأحد - 15 مارس 2026 - 11:08 م
صوت العاصمة/ بقلم / محمد سالم ابو قصي
إن تمعنت في حال الشارع تشاهد فقر الأغنياء وغنى الفقراء، وتعايش المستحيلات بين الفقير الغني والغني الفقير.
اليمن تعيش مفارقة يصعب على العقل تفسيرها. في الشوارع ترى الشحاتين والفقراء والمساكين، ولكن ما إن تدخل الأسواق حتى ترى العجب. زحام شديد، حركة بيع وشراء، مطاعم ومقاهٍ وفنادق ومولات وأسواق مزدحمة، والقات له سوق يضج بالناس وقوة شرائية لا يستهان بها. فتحتار: من الأغلبية، الفقراء أم الأغنياء؟ ومن نحن؟
تفتح مواقع التواصل فتجد من يتباهى بالأملاك والعقارات والسيارات والهواتف الفاخرة، ومن يعرض للبيع كل شيء من الأراضي إلى الإكسسوارات بأسعار خيالية تلقى رواجًا وشراءً مرتفعًا، وفي الوقت نفسه ترى صفحات امتلأت بالشكوى وطلب المساعدة حتى أصبحت الشحاذة مهنة إلكترونية متطورة. فيختلط المشهد ويزداد السؤال حيرة: هل نحن شعب فقير أم مستور الحال؟
تخرج إلى الشوارع الكبرى فترى اللوحات تتوالى: بنك القطيبي، بنك البسيري، بنك الإنماء، بنك الشمول، بنك الكريمي، وصرافات لا تنتهي. تقف أمامها متسائلًا: هذه الأموال لمن؟ والشارع نفسه مليء بطالبي الصدقات والمحتاجين. نصف المدينة مصارف وبنوك وصرافات، والنصف الآخر أسواق ومحلات ومطاعم، وكلها تعمل بلا توقف. ومع ذلك لا يزال السؤال قائمًا: هل نحن فقراء أم أغنياء أم أن حالنا مستور بطريقة لا نفهمها؟
في الضفة المقابلة هناك يمن آخر يتحايل على الدين ويتظاهر بالتدين، تناقض البسطاء ومصالح الضعفاء.
دعنا نقرب المشهد أكثر؛ فالشعب اليمني ينفق ما يقارب خمسة ملايين دولار يوميًا على القات، أي ما يقارب ملياري دولار سنويًا، في بلد يعيش غالبية سكانه تحت خط الفقر وفي اقتصاد متعثر. يبرر البعض ذلك بأنه مصدر دخل، لكن هنا يتبادر إلى الذهن قول الله تعالى في الخمر والميسر:
﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾.
فليس كل ما فيه منفعة مالية يكون خيرًا للمجتمع؛ فحتى الأعمال المحرمة قد تكون مصدر دخل، لكن وجود الربح لا يجعلها فضيلة ولا يجعل أثرها محمودًا.
وإذا انتقلنا إلى سوق المال وجدنا تناقضًا آخر. اقتصاد كامل يتحرك تحت ضغط المضاربة والتلاعب بسعر الصرف. يُغرق السوق بالريال اليمني عندما يريد المضاربون رفع سعر الدولار، فيضعف الريال وتعلو قيمة العملة الأجنبية، ثم يُغرق السوق بالدولار بعد أن يكونوا قد جمعوا العملة المحلية من الناس، فينخفض السعر مجددًا. وهكذا يتحول سعر الصرف إلى أداة ربح للبعض، بينما يتحمل المجتمع كله نتائج هذا التلاعب.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يتعداه إلى استخدام أموال المودعين في مخاطرات تجارية دون علمهم، وتأجيل رواتب الموظفين والمتاجرة بها، وعقد الصفقات على حساب قوت الناس. فيتحول المال الذي هو أمانة إلى أداة للمضاربة، ويصبح الضعيف أول من يدفع الثمن.
أسواقنا تعيش عالمًا آخر من التناقضات. ترتفع الأسعار عندما يرتفع الدولار، لكنها لا تنخفض عندما يهبط. الحجة جاهزة دائمًا: اشترينا البضائع بسعر الصرف السابق. لكن حين يرتفع الدولار لا ينتظر أحد، بل تقفز الأسعار فورًا. وبين هذا وذاك يبقى المواطن الحلقة الأضعف والخاسر الوحيد؛ راتبه بالريال اليمني، بينما علية القوم وزراء وحكام يقبضون بالدولار ويعيشون على نفقة الدولة في الداخل والخارج.
أسواق الأحياء الشعبية أصبحت كأنها دولة داخل الدولة، لها قوانينها الخاصة وحصانتها غير المعلنة. تمارس فيها صور متعددة من الغش: تغيير تواريخ صلاحية المنتجات، تفاوت الأسعار بين زبون وآخر، تطفيف الميزان، حلفان كاذب، وتبريرات لا تنتهي. وفي الوقت نفسه يتظاهر كثيرون بالتدين والورع، وكأن المظاهر تكفي لإخفاء ما يجري خلف الكواليس.
لقد قص القرآن علينا قصة قوم شعيب، ولم يكن جرمهم الأكبر عبادة صنم أو إنكار نبي فحسب، بل كان من أعظم جرائمهم تطفيف الميزان وبخس الناس أشياءهم. فلما فشا الظلم في الأسواق وفسدت المعاملات، حلّ بهم ما حلّ.
وعندما ننظر إلى واقعنا اليوم ونرى كل هذه التناقضات، قد يتساءل البعض: لماذا هذا البلاء؟ لكن السؤال الأصدق ربما يكون: كيف لا يقع البلاء ونحن نرى الظلم أمام أعيننا، والباطل يمارس علينا، والقهر يُجرَّب فينا، ثم نصمت وكأن الأمر لا يعنينا؟
نعيش في يمن التناقضات، وطن العجائب، حيث لا تزال القاعدة القديمة تتردد بين الناس:
**«عِزّ القبيلي بلاده إن تجرع وباءها».**