مداد العاصمة



عزرائيل السياسة.. حين يمارس السقاف طقوس قبض الأرواح للكيانات الحية.

الثلاثاء - 17 مارس 2026 - 12:21 ص

عزرائيل السياسة.. حين يمارس السقاف طقوس قبض الأرواح للكيانات الحية.

صوت العاصمة/ بقلم / حافظ الشجيفي


جلست أتأمل هذا المشهد العبثي الذي يذكرني ببهلوانات السيرك حين يحاولون الإمساك بكرات كثيرة في وقت واحد فتسقط جميعها فوق رؤوسهم ويبقى الجمهور بين دهشة وضحك كبكا، فما نراه اليوم من تخبط سياسي في دهاليز القضية الجنوبية يتجاوز حدود المنطق ليدخل في باب الفانتازيا السياسية التي برع فيها البعض حين ظنوا أن المؤسسات والتيارات مجرد قطع شطرنج يحركها "عبد الرؤوف السقاف" كيفما شاء وحيثما مالت ريح المصالح، فالسقاف الذي وقف يوما بملء فيه ليعلن حل المجلس الثوري وانصهار كيانه في بوتقة المجلس الانتقالي الجنوبي، يعود اليوم في مشهد تراجيدي ساخر ليحاول إحياء الموتى ونبش القبور، وكأن القرارات التنظيمية والمواقف الوطنية مجرد معطف يرتديه في الشتاء ويخلعه في الصيف، فكيف يستقيم في عقل عاقل أو في منطق سياسي سوي أن يعود رجل لقيادة مجلس قام هو نفسه بوأده وإعلان وفاته رسميا قبل سنوات، بل والأنكى من ذلك والأشد مرارة أنه يحاول اليوم ممارسة دور "عزرائيل" مع المجلس الانتقالي الذي احتضنه، وجعل له مكانه وطنية فيصدر قرارا بحله بجريرة لا يملك حيالها حقا ولا تفويضا ولا شرعية.
فالقفز فوق الحبال السياسية يتطلب مهارة لا يملكها من يخلط بين الطموح الشخصي وبين الثوابت المؤسسية، فالسقاف حين قرر الانقلاب على مسار الانتقالي كان الأجدر به وقارا واحتراما لتاريخه وللناس أن يكتفي بإعلان استقالته منه والانسحاب من صفوفه ثم العودة الى وضعه كمواطن جنوبي صالح، أما أن ينصب نفسه حاكما بأمره يحل ما يشاء ويربط ما يشاء فهذا لعمري هو عين الشطط، ذلك أن حل المجلس الانتقالي ليس نزهة خلوية أو قرارا يكتب على ورق باهت في غرف الفنادق، بل هو ملك حصري للشعب الجنوبي وحده، فهو صاحب التفويض وهو مصدر الشرعية، وحتى القائد عيدروس الزبيدي نفسه لا يملك في عرف النظم والمواثيق أن يجر قلم الإعدام على كيان شعبي دون العودة إلى الجماهير التي منحته الثقة، فكيف يأتي شخص بصفة فردية ليعلن من خارج الحدود ومن فوق تراب دولة أخرى بيانا يظن أنه سيزلزل الأرض تحت أقدام الانتقالي، بينما هو في الحقيقة لا يعزيد عن كونة صرخة في واد سحيق لا صدى لها ولا أثر.
والتساؤل الذي يفرض نفسه بمرارة وسخرية لاذعة هنا هو كيف يستعيد السقاف المجلس الثوري الذيذانحل بقرار قانوني وتنظيمي مكتمل الأركان، بينما يدعي حل المجلس الانتقالي الذي لم ينحل أصلا ولن ينحل بمجرد بيان صدر من الرياض يفتقر إلى أبسط المقومات القانونية أو الوطنية أو الشرعية، فالحقيقة التي يهرب منها البعض هي أن بيان "الرياض" ولد ميتا لأنه لا يتكئ على جدار صلب من اللوائح، بل هو مجرد زوبعة في فنجان، وإذا ما تماشينا مع منطق السقاف الأعوج وسلمنا بجدلية أن ذلك البيان يمتلك القوة لإذابة المجلس الانتقالي، فإن الرصاصة هنا سترتد إلى صدره هو أولا، ذلك لأن المجلس الثوري الذي يحاول ان يبعثه من جديد قد اندمج كليا وذاب في هيكل الانتقالي، وقرار حل المجلس الانتقالي -إن صح جدلا- يعني بالضرورة تبخر كل المكونات التي انضمت إليه، فكيف ينجو الفرع إذا ما اجتث الأصل من جذوره، وكيف يزعم السقاف بقاء "الثوري" وهو الذي صار جزءا من كيان يدعي هو نفسه أنه قد تلاشى.
فهذا التناقض الصارخ يكشف عن مأساة سياسية نعيش فصولها، حيث تصبح المبادئ مطية للمناورات الصغيرة، وتتحول القضايا المصيرية إلى مادة للمساومات التي تفتقر إلى الذكاء قبل أن تفتقر إلى النزاهة، فالسياسة في مدرسة الكبار هي فن الممكن القائم على الوضوح، وليست فن التدليس القائم على بهلوانية القوانين المبتورة، ومن يظن أن الشعب الجنوبي سيقف متفرجا على هذه المسرحية الهزلية فهو واهم، لأن الوعي الجمعي يدرك جيدا الفرق بين من يحمل هما وطنيا وبين من يحمل ختما يريد استخدامه لتحقيق مصالح شخصية ضيقة، فالشرعية لا تشترى ببيانات الفنادق، والمؤسسات لا تهدم برغبات الموتورين، وبقاء الانتقالي أو رحيله هو قرار شعب خاض غمار التضحيات، وليس قرار فرد قرر فجأة أن يلعب دور الهدم والبناء في آن واحد بذهنية تفتقر إلى أبسط قواعد الربط والاتساق التنظيمي والمنطقي.
وهنا أستطيع أن أقول بكل ثقة وبلا مواربة إننا أمام حالة من الانفصام السياسي، حيث يريد البعض أن يجمع بين المتناقضات، فيكون منحلا ومنحلا في آن واحد، ومستقيلا ومستقبلا في لحظة واحدة، وهي حالة تستوجب الرثاء أكثر مما تستوجب النقد، فالمجلس الثوري الذي ذبحه السقاف بسكين يديه لا يمكن أن يقوم من بين الأنقاض بقرار يفتقر إلى الحياء السياسي، والمجلس الانتقالي سيظل باقيا ما دام الشعب يرى فيه ممثلا له، بعيدا عن بهرجة البيانات الجوفاء التي لا تساوي الحبر الذي كتبت به، فالحقائق لا تحجب ببيانات السفر، والشرعية لا تمنح لمن فرط فيها يوما من أجل منصب أو مكسب، ثم عاد اليوم ليطالب بها عبر هدم المعبد فوق رؤوس الجميع في مشهد عبثي يثبت أن بعض السياسيين يعيشون في جزر معزولة عن الواقع وعن منطق التاريخ وعن قواعد القانون التي لا تجامل أحدا.



الأكثر زيارة


أزماتنا مكاسب وكوارثنا مصالح… اقتصاد العجائب في يمن التناقضا.

الأحد/15/مارس/2026 - 11:08 م

إن تمعنت في حال الشارع تشاهد فقر الأغنياء وغنى الفقراء، وتعايش المستحيلات بين الفقير الغني والغني الفقير. اليمن تعيش مفارقة يصعب على العقل تفسيرها. في


في ذكرى تحرير عدن..الدبيس يروي قصة تحررها من قبضة الحو.ثي .

الإثنين/16/مارس/2026 - 01:34 ص

في الذكرى الحادي عشر: لتحرير العاصمة عدن، روى النقيب صالح الدبيس لموقع "صوت العاصمة" قصة تحررها من السجن، حيث كان في قبضة المليشيات في سجن شرطة كريتر


ثوان الشموخ تختم الفعالية الرمضانية المشتركه لقرى سهم النجدي.

الإثنين/16/مارس/2026 - 01:16 ص

في أمسية رمضانية تحت شعار "الصمود والثبات" نظم صندوق الطالب الجامعي لأبناء قرية ثوان الشموخ الفعالية الرمضانية الختامية المشتركة لقرى سهم ال


مطالبة بفتح مقرات المجلس الانتقالي.. المقاومة الجنوبية في أح.

الإثنين/16/مارس/2026 - 10:24 م

أقدمت المقاومة الجنوبية في مديرية أحور بمحافظة أبين، عصر اليوم الاثنين، على قطع الطريق الدولي الرابط بين محافظة حضرموت والعاصمة عدن، احتجاجاً على إغلا