حين تزهر الضالع: العيد والمطر بين الجمال والمقاومة
الجمعة - 20 مارس 2026 - 08:37 م
صوت العاصمة/ كتب / د. مدين الأخضر
اليوم، ترتدي الضالع ثوب العيد، تتوج بقطرات المطر، وتكتسي بالخضرة التي كانت دومًا عنوانًا للحياة. في النفس شعوران: جمال يعانق القلب، وتأمل يطرح أسئلة كبرى عن الوجود، والسلطة، والإرادة.
في بلد أنهكه التعب والإهمال، يأتي العيد ليذكرنا: الجمال ليس ترفًا، بل ضرورة وجودية.
أهل الضالع يثبتون أن الجمال ليس هبة تأتي بعد زوال المعاناة، بل هو فعل مقاومة في وجه المعاناة ذاتها. حين تتزين المدينة بالألعاب، وتفرح القلوب رغم الجروح، فإنها تمارس أبسط أشكال الحرية: حرية أن تكون جميلًا في عالم يحاول أن يقبح كل شيء.
أما المطر، فهو في فلسفته تجلٍّ للقدر. لا يستأذن أحدًا، يسقط على الجميع: على بيوت الشهداء، على الجبهات، على الساحات التي شهدت أعظم التحديات، على الأمهات الثكالى، وعلى بيوت السلطة والنفوذ. في هذا درس سياسي عميق: أن الخير الحقيقي لا ينتظر الظروف المثالية، بل ينزل كرحمة لا تسأل عن مستحق.
هناك قراءة سياسية لا تُقال في المنابر، لكنها تُكتب بماء المطر على جبال الضالع. حين يجتمع العيد مع المطر، تتشكل معادلة صامتة: إرادة الحياة أقوى من إرادة الموت. والمشروع الوطني الحقيقي لا يُبنى بالشعارات وحدها، بل ببقاء الناس في أرضهم، باحتفائهم بأعيادهم، بتمسكهم بالفرح ليصرخوا في وجه العالم: نحن هنا، وهذه أرضنا.
الضالع، التي كانت ولا تزال أحد أعمدة المقاومة الوطنية، تقدم اليوم نموذجًا مختلفًا للمقاومة: مقاومة اليأس بالجمال، مقاومة الانكسار بالاحتفاء، مقاومة الموت بإقامة الحياة. رسالة سياسية بامتياز: الشعب الذي يحتفل تحت المطر ويزين مدينته رغم كل شيء، هو شعب لا يُقهر.
وأخيرًا، في انتظار عيد آخر، يبقى السؤال في فلسفة الأمل: متى يكون العيد كاملاً، والرواتب ومقومات الحياة أساسًا؟ متى يكون المطر رحمة لا تسبقها سيول تجرف البيوت؟ متى تكون الزينة تعبيرًا عن استقرار لا عن تحد مؤقت؟
ربما العيد الحقيقي هو ما نصنعه لأنفسنا في الغياب: حين نتمسك بالفرح فكرة، ونصر على أن تكون الضالع كما نحلم: حرة، آمنة، تزهر بلا خوف، وتمطر بلا وجع.
في هذا العيد، كل قطرة مطر تذكرنا أننا لم ننس كيف نحب الحياة. وكل ابتسامة طفل تقول: المستقبل لا يزال لنا.
عيد مبارك على الضالع وجبالها، وعلى كل من جعل من الجمال سلاحًا، ومن الصمود وطنًا.