غزوة المكاتب.. كيف ابتلعت "عباءة الإخوان" مفاصل الشرعية اليمنية؟
السبت - 21 مارس 2026 - 12:45 ص
صوت العاصمة/ عين الجنوب
في دهاليز السياسة اليمنية المعقدة، وفي اللحظة التي كانت فيها الدولة تسقط تحت وطأة الانقلاب الحوثي في خريف 2014، بدأت قصة أخرى لا تقل دهاءً، بطلها تنظيم الإخوان المسلمين (حزب الإصلاح)، الذي أدرك مبكراً أن البقاء ليس لمن يملك السلاح في الجبهات المفتوحة فحسب، بل لمن يمسك بختم "الشرعية" ويدير مكاتب القرار. لم يكن استيلاء الإخوان على مفاصل الحكومة المعترف بها دولياً وليد صدفة أو ضربة حظ، بل كان نتاج استراتيجية "النفس الطويل" والتموضع الهادئ داخل الفراغ الذي خلفه انهيار مؤسسات الدولة، حيث نجح التنظيم في تحويل نفسه من "شريك" في مقاومة الانقلاب إلى "مدير" فعلي لموارد وقرارات الرئاسة والحكومة، مستخدماً في ذلك تكتيك الإحلال الوظيفي الذي بدأ من مكتب رئاسة الجمهورية صعوداً ونزولاً.
لقد كانت البداية من خلال السيطرة على "الدائرة الضيقة" المحيطة بمركز القرار، حيث تمكنت الكوادر الإخوانية من ملء الفراغات الإدارية الحساسة بأسماء تدين بالولاء للتنظيم أكثر من ولائها للدولة، وهو ما سمح لهم بفلترة المعلومات الواصلة إلى القيادة العليا وتوجيه القرارات السياسية والعسكرية بما يخدم أجندة الجماعة، حتى صار القرار الجمهوري يمر عبر سلسلة من "الفلاتر" الحزبية قبل صدوره. ولم يكتفِ التنظيم بذلك، بل عمد إلى شرعنة تواجده عبر التعيينات العشوائية في السلك الدبلوماسي والمؤسسات السيادية، محولاً السفارات والبعثات الخارجية إلى منابر للدفاع عن مصالح الحزب وتشويه الخصوم، في حين تم إقصاء الكفاءات الوطنية التي لا تتماشى مع توجهات "المكتب التنفيذي".
وعلى الصعيد المالي والعسكري، استطاع الإخوان إحكام قبضتهم على وزارة الدفاع والمالية في فترات حرجة، مما مكنهم من بناء وحدات عسكرية موازية وتوجيه الدعم اللوجستي والمادي نحو جبهات ومناطق نفوذ معينة، مع تهميش متعمد للجبهات التي لا تخضع لسيطرتهم، وهو ما خلق حالة من "الارتهان" لقرار الحزب داخل بنية الجيش الوطني. هذه الهيمنة لم تكن لتكتمل لولا السيطرة على الخطاب الإعلامي الرسمي، حيث تم توظيف القنوات والإذاعات الممولة من خزينة الدولة لتلميع رموز الجماعة وشرعنة تحركاتها، وتصوير كل معارض لسياسة "التمكين" كعدو للشرعية وللوطن. وهكذا، استطاع الإخوان تحويل "الشرعية" من مظلة جامعة إلى "درع قانوني" يحمي استثماراتهم السياسية والعسكرية، ويمنحهم القدرة على المناورة أمام المجتمع الدولي بصفة "الدولة"، بينما هم في الحقيقة يديرون المشهد من خلف ستار الحزب، مما أدى في نهاية المطاف إلى إضعاف الجبهة المناهضة للحوثيين وإطالة أمد الصراع لصالح بقاء التنظيم في سدة التحكم.