الانتقال من ردة الفعل الى صناعة الفعل .. الحلقة الخامسة: الانتقالي وسيناريوهات العودة
الثلاثاء - 24 مارس 2026 - 09:12 م
صوت العاصمة/ كتب / د. طارق مزيدة
لم يكن الجنوب يومًا مجرد هامش في خرائط الصراع الإقليمي، بل ظل على الدوام أحد مفاتيح التوازن في اليمن، وأحد العناوين الكبرى التي لا يمكن تجاوزها كلما أعيد ترتيب المشهد. ولهذا، فإن كل المشاريع التي حاولت القفز فوق حقيقة الجنوب، أو التعاطي معه باعتباره ملفًا يمكن احتواؤه مؤقتًا عبر ترتيبات فوقية أو قوى منفية أو شرعيات مستهلكة، كانت محكومة في النهاية بالتعثر.
ما جرى خلال الأشهر الأخيرة يثبت أن الجنوب لا يُدار بالإنكار، وأن الانتقالي الجنوبي، مهما تعرض لضغط أو حصار أو محاولات إضعاف، لا يزال يمثل العقدة التي تعود إليها كل المسارات. فحتى بعد الانتكاسة العسكرية والسياسية التي تعرض لها في يناير 2026، وما رافقها من حديث عن محاولات تفكيك مؤسساته والدخول في حوار برعاية سعودية، فإن الشارع الجنوبي لم يتصرف كما لو أن القضية انتهت، بل عاد ليؤكد في عدن ولحج وابين وشبوة وحضرموت أن الحضور الشعبي للقضية الجنوبية ما زال قائمًا، وأن أي محاولة لإعادة تشكيل الجنوب دون حامل سياسي ذي امتداد جماهيري ستظل محاولة ناقصة وعاجزة عن الاستمرار. �
Reuters +٢
المشكلة الجوهرية لم تكن يومًا في وجود الانتقالي، بل في وهم بعض القوى أن بالإمكان صناعة بديل جنوبي من خارج المزاج الشعبي الجنوبي. وهذا وهم يتكرر كل مرة بصيغ مختلفة: مرة باسم الشرعية، ومرة باسم الاتفاقات، ومرة باسم التوازنات الإقليمية، لكنه ينتهي دائمًا إلى النتيجة ذاتها: لا استقرار في الجنوب بلا قوة جنوبية لها جذور على الأرض، وتنظيم، وذاكرة صراع، وقابلية للتحشيد، وقدرة على مخاطبة المزاج العام.
انطلاقًا من ذلك، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لعودة الانتقالي و عودة الفكرة التي يمثلها إلى صدارة المرحلة القادمة في الجنوب:
السيناريو الأول: عودة عبر التسوية الإقليمية
إذا اتجه الإقليم إلى تخفيف التصعيد وفتح مسار تفاوضي أوسع، سواء بين واشنطن وطهران أو عبر وساطات غير مباشرة، فإن منطق التسويات سيفرض البحث عن صيغ توازن محلية قابلة للحياة. وفي الحالة اليمنية، يصعب تصور ضبط الشمال بسلطة أمر واقع، مع الإبقاء في الجنوب على فراغ سياسي أو على شرعية ضعيفة ومنفصلة عن الشارع. في هذه الحالة، سيعود الانتقالي، كإطار جنوبي يعيد إنتاج ثقله، باعتباره ضرورة توازن لا مجرد خيار سياسي. اليوم توجد بالفعل مؤشرات على وجود حراك دبلوماسي حول الحرب الأوسع مع إيران، حتى مع استمرار التناقض بين التصريحات الأميركية والنفي الإيراني. �
Reuters +٢
السيناريو الثاني: عودة عبر فشل البدائل
إذا اندفعت القوى المحسوبة على الشرعية إلى مغامرات عسكرية أو سياسية أكبر من قدرتها، أو حاولت التقدم تحت شعارات “استعادة الدولة” من دون قاعدة فعلية أو تماسك داخلي، فإن الفشل لن ينتج فراغًا محايدًا، بل سيدفع الفاعلين الإقليميين إلى البحث عن الطرف الأكثر تنظيمًا وقابلية لملء المساحة الجنوبية. التجربة القريبة أظهرت أن الحكومة استعادت مواقع بدعم سعودي، لكنها في الوقت نفسه اضطرت للهروب وحولت قضية استعادة للحق إلى فكرة للحوار حول “القضية الجنوبية”، ما يعني أنها طرف هزيل في أصل المعادلة السياسية. �
Reuters +١
السيناريو الثالث: عودة عبر الزمن والركود
أحيانًا لا تعود القوى السياسية عبر الانتصار المباشر، بل عبر استنزاف خصومها. فإذا استمرت حالة الجمود في الجنوب، وتواصل التدهور الخدمي والاقتصادي، وبقيت السلطة الرسمية عاجزة عن بناء نموذج مقنع للناس، فإن الوقت نفسه سيعمل لصالح القوة الأكثر رسوخًا في الوجدان الشعبي. وهنا يستعيد الانتقالي موقعه تدريجيًا لا بوصفه مجرد تنظيم، بل بوصفه التعبير الأكثر قدرة على التقاط غضب الشارع الجنوبي وتحويله إلى مطلب سياسي منظم. الحشود المؤيدة له في عدن وحضرموت خصوصآ بعد تراجعه الأخير تعطي مؤشرًا على أن الوزن الشعبي لم يتبخر حتى مع الضربات السياسية والعسكرية. �
AP News
لكن في المقابل، هناك شرط حاسم لا بد من قوله بوضوح:
ليس كل ضعف يصيب الخصوم يعني تلقائيًا قوة للانتقالي.
فالعودة الحقيقية لا تحتاج فقط إلى مظلومية سياسية أو رصيد شعبي، بل تحتاج أيضًا إلى مراجعة داخلية، وإعادة ترتيب البيت الجنوبي، وتقديم نموذج أكثر نضجًا في الإدارة،واسلوب القيادة، والتحالف، والخطاب، والخدمات، والعلاقة بالمكونات الجنوبية الأخرى. لأن أي عودة بلا إصلاح ستظل عودة إلى الأزمة نفسها، لا عودة إلى القيادة.
لهذا يمكن القول إن السؤال لم يعد: هل ينتهي الانتقالي؟
بل أصبح: بأي صيغة سيعود؟
هل يعود كقوة احتجاج؟
أم كحامل تفاوضي للقضية الجنوبية؟
أم كقيادة قادرة على إدارة الجنوب سياسيًا ومؤسسيًا؟
المؤكد أن الجنوب أثبت مرة بعد مرة أنه لا يقبل الفراغ، ولا يُحكم بواجهات بلا جذور، ولا يستقر تحت سلطات منفصلة عن ناسه. ومن هنا، فكل طريق يُراد له أن يمر بالجنوب، سيجد نفسه في النهاية مضطرًا للتوقف عند الحقيقة الجنوبية الكبرى: أن الانتقالي، و ما يمثله من تعبير سياسي عن الإرادة الجنوبية، سيظل رقمًا صعبًا لا يمكن تجاوزه.
ولهذا…
كل الطرق، مهما طال الالتفاف،او تعددت المسارات فملتقاها عند الانتقالي الجنوبي.