وعي المرحلة قبل صخب الخلاف
الثلاثاء - 24 مارس 2026 - 10:39 م
صوت العاصمة/ بقلم / عامر الحريري
في لحظات التحوّل الحاد، لا تكون الأولوية لإعادة ترتيب التفاصيل بقدر ما تكون لصناعة الإدراك الجمعي لطبيعة الخطر. فالأمم لا تسقط حين تخطئ مؤسساتها فحسب، بل حين تفقد مجتمعاتها القدرة على قراءة اللحظة التاريخية قراءة واعية ومسؤولة.
إن الحديث عن إصلاح أي كيان سياسي في هذا التوقيت، رغم مشروعيته، قد ينزلق إلى إضعاف الجبهة الداخلية إذا لم يُضبط بسياق المرحلة. فالتوقيت في السياسة ليس تفصيلاً ثانوياً، بل هو جوهر الفعل ذاته. وما نعيشه اليوم ليس ظرفاً عادياً يسمح بتوسيع دوائر الخلاف، بل لحظة تستدعي إعادة توجيه البوصلة نحو الخطر الأكبر.
المعركة الحقيقية الآن هي معركة وعي. وعي يدرك أن التباينات، مهما كانت مشروعة، يمكن أن تتحول إلى ثغرات ينفذ منها الخصم. وعي يفرّق بين النقد البنّاء الذي يؤجل تكتيكياً، وبين الصراع الذي يُستثمر ضد القضية. وعي يرفع منسوب الجاهزية الشعبية، لا عبر الشعارات، بل عبر إدراك عميق بأن ما يحدث ليس مجرد حدث عابر، بل اختبار لقدرة المجتمع على التماسك.
إن المسؤولية لم تعد مقتصرة على النخب أو القيادات، بل أصبحت مسؤولية شعب بأكمله، خاصة أولئك المؤمنين بعدالة قضيته. فالتاريخ لا يرحم المجتمعات التي تنشغل بخلافاتها في لحظات التهديد الوجودي، بل يكافئ تلك التي تؤجل صراعاتها لصالح البقاء.
اليوم، المطلوب ليس إلغاء الاختلاف، بل تحييده مؤقتاً. ليس إسكات الأصوات، بل توجيهها نحو بناء وعي جامع، يخلق حالة من الزخم الشعبي القادر على كبح أي تصرفات متهورة قد تجر الجميع إلى مسارات غير محسوبة.
فالمرحلة لا تحتمل ترف الانقسام، بل تفرض حتمية الوعي.