ما بعد الصمت… عندما تتحول الضربات المحدودة إلى حـ.ـرب تُغيّر شكل المنطقة
الأربعاء - 25 مارس 2026 - 11:58 م
صوت العاصمة/ كتب / ذياب الحسيني
كإعلامي أتابع المشهد عن كثب منذ 26 يومًا، أقرأ تفاصيله بدقة، وأفكك مساراته بهدوء، أرى أن ما يجري اليوم لم يعد مجرد تصعيدٍ عابر، بل هو تمهيدٌ محسوب لمرحلةٍ أكثر خطورة. حرب تُدار بعقلٍ بارد، وتُضبط إيقاعاتها تحت سقفٍ ناري منخفض… لكن هذا السقف لن يبقى ثابتًا طويلًا. فالتطورات الأخيرة في المواجهة الإيرانية - الإسرائيلية - الأمريكية تؤكد أننا أمام صراعٍ يتدرج نحو نقطةٍ فاصلة، لا يمكن بعدها العودة إلى ما كان عليه المشهد سابقًا.
المعطيات على الأرض تشير إلى أننا نعيش “مرحلة التهيئة”: ضربات محسوبة، رسائل نارية، استعراض قوة، واختبار دقيق لردود الفعل. كل طرف يتقدم خطوة ويتراجع نصف خطوة، لكن في العمق هناك إعادة تموضع شاملة، وتجهيز لمواجهة أكبر، قد لا تكون شاملة في شكلها، لكنها ستكون عميقة في تأثيرها.
التوقع الأكثر واقعية - أن المرحلة القادمة ستشهد تصعيدًا عبر الوكلاء والجبهات المفتوحة، دون إعلان حربٍ مباشرة في بدايتها. ستتوسع رقعة الاشتباك تدريجيًا، وقد نشهد ضربات نوعية تستهدف مراكز حساسة، تُحدث صدمة سياسية وعسكرية، لكنها تبقى تحت سقف “عدم الانفجار الكبير”… إلى أن يقع الخطأ الذي لا يمكن احتواؤه.
وإذا ما تم كسر هذا السقف، فلن نكون أمام حربٍ تقليدية، بل أمام مواجهة متعددة المسارات: عسكرية، اقتصادية، سيبرانية، وإعلامية، تُعيد تشكيل ميزان القوى في المنطقة بالكامل. حينها لن يكون السؤال من بدأ الحرب، بل من يستطيع تحمّل كلفتها حتى النهاية.
ما ستورثه هذه المواجهة أخطر من الحرب نفسها:
شرق أوسط أكثر تسلحًا، تحالفات تُبنى على الخوف لا الثقة، اقتصاديات مُنهكة، وشعوب تُدفع مرة أخرى ثمن صراعات الكبار. وقد نشهد ولادة نظام إقليمي جديد، تُفرض قواعده بالقوة لا بالتوافق.
لكن الأخطر من ذلك، أن إطالة أمد الصراع ستُطبع فكرة “الحرب المستمرة” كواقعٍ اعتيادي، بحيث تتحول الضربات والاشتباكات إلى مشهدٍ يومي، ويُعاد تشكيل وعي الأجيال على إيقاع التوتر الدائم.
كإعلاميين، لسنا أمام مهمة نقل الحدث فقط، بل أمام مسؤولية تفكيك ما وراءه… لأن من يكتفي بوصف النار، لا يمنع امتدادها.
الخلاصة التي قد لا يرغب الكثير بسماعها: نحن في بداية مسار، لا في نهايته… وما يُرسم اليوم في الخفاء، سيظهر غدًا كواقعٍ لا يمكن تغييره بسهولة.