من “بوابة الإقليم” إلى “صناعة القرار”: قراءة في معضلة السيادة جنوبًا
الأحد - 29 مارس 2026 - 11:45 م
صوت العاصمة/ كتب : د. عامر الحريري
في تحليل المشهد السياسي العربي، لا يمكن فهم تعقيدات الحالة اليمنية—جنوبًا وشمالًا—دون التوقف عند طبيعة العقلية الإقليمية التي أدارت علاقاتها مع دول الجوار لعقود. هذه العقلية، التي تقوم على إدارة النفوذ أكثر من بناء الشراكات، أفرزت نمطًا من العلاقات غير المتكافئة، حيث تُختزل الدول في أدوار وظيفية تخدم توازنات إقليمية، لا مصالح شعوبها.
تاريخيًا، ارتبطت التحولات الكبرى في اليمن بتقاطعات إقليمية ودولية. فثورة 14 أكتوبر في الجنوب لم تكن بمعزل عن دعم خارجي، كما أن قيام النظام الجمهوري في الشمال جاء في سياق دعم إقليمي واضح. غير أن الإشكالية لم تكن يومًا في “الدعم” بحد ذاته، بل في طبيعته: هل هو دعم لبناء الدولة أم لإعادة تشكيل التبعية؟
في الشمال اليمني، ظل مشروع الدولة المدنية هشًا، يتأرجح بين محاولات داخلية للإصلاح وتدخلات خارجية تعيد ضبط المشهد وفق مصالحها. تجربة الرئيس إبراهيم الحمدي—بغض النظر عن الجدل حول نهايتها—تمثل لحظة مفصلية حاولت فيها الدولة أن تتحرر من الهيمنة، لكنها اصطدمت بتوازنات إقليمية لم تكن تسمح بنشوء نموذج مستقل.
أما في الجنوب، فقد كان الوعي بالسيادة أكثر حضورًا في التجربة السياسية، خصوصًا في مرحلة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية. لكن ما بعد الوحدة كشف هشاشة البنية السياسية أمام تغول المصالح الإقليمية، حيث تحولت الأرض إلى ساحة صراع بالوكالة، وتراجع القرار الوطني أمام نفوذ الخارج.
الإشكالية الأعمق تكمن في نمط إدارة الإقليم لملفاته العربية؛ إذ غالبًا ما تُدار الأزمات بمنطق الاحتواء لا الحل، وبآليات تُبقي الدول في حالة ضعف بنيوي. من لبنان إلى العراق، تتكرر أنماط التدخل التي تنتهي بتفكيك مؤسسات الدولة أو إضعافها، ما يفتح المجال لتدويل الأزمات وتعدد مراكز القرار.
في هذا السياق، يصبح السؤال الجوهري: هل يمكن لقضية الجنوب أن تُدار عبر “البوابات الإقليمية” نفسها التي ساهمت في تعقيد المشهد؟ أم أن التحول نحو “صناعة القرار” يتطلب إعادة تعريف العلاقة مع الخارج على أساس المصالح المتبادلة لا التبعية؟
تجارب بعض الدول الخليجية، مثل قطر والإمارات، تقدم نموذجًا مختلفًا نسبيًا، حيث انتقلت من موقع التأثر إلى موقع الفعل عبر بناء علاقات مباشرة مع القوى الدولية، متجاوزة الوساطات الإقليمية التقليدية. هذا التحول لم يكن بلا كلفة، لكنه أتاح مساحة أوسع لصياغة القرار الوطني.
بالنسبة للجنوب، فإن التحدي لا يكمن فقط في استعادة الأرض أو تثبيت الهوية السياسية، بل في القدرة على بناء رؤية استراتيجية تعيد تعريف موقعه في الخارطة الإقليمية والدولية. لم يعد كافيًا التعامل مع الإقليم كوسيط، بل يجب فهمه كفاعل له مصالحه، والتعامل معه وفق قواعد توازن واضحة.
إن الانتقال من منطق “الاستجابة” إلى منطق “المبادرة” هو ما يصنع الفارق. فالشعوب التي لا تمتلك أدوات التأثير ستظل رهينة لقرارات تُصاغ خارج حدودها. أما تلك التي تدرك قواعد اللعبة، فتستطيع—ولو تدريجيًا—أن تنتقل من هامش الفعل إلى مركزه.
في المحصلة، ليست المشكلة في وجود نفوذ إقليمي، فهذا أمر طبيعي في السياسة الدولية، بل في غياب مشروع وطني قادر على إدارة هذا النفوذ وتوظيفه. ومن هنا، فإن مستقبل الجنوب—كما غيره من القضايا العربية—مرهون بقدرته على الخروج من دائرة التلقي، والدخول في معادلة صناعة القرار.