بيان الوفد الجنوبي تحت المجهر.. بين حرية مُعلنة ورسائل مُضمَرة
السبت - 04 أبريل 2026 - 11:11 م
صوت العاصمة/ كتب / ذياب الحسيني
في مشهدٍ سياسي معقّد تتداخل فيه الرسائل العلنية مع الأهداف غير المعلنة، جاء السماح للوفد الجنوبي في الرياض بإصدار بيانٍ بشأن ما جرى من قمعٍ للتظاهرة السلمية في المكلا، كخطوةٍ تبدو في ظاهرها انتصارًا لحرية التعبير، لكنها في جوهرها تحمل أبعادًا تتجاوز حدود الكلمة إلى حساباتٍ أعمق في مسرح التوازنات الإقليمية وصناعة الانطباع الدولي.
هذا السماح لم يكن مجرد إجراءٍ عابر، بل رسالة موجهة بعناية إلى المجتمع الدولي، مفادها أن الوفد الجنوبي يتمتع بهامشٍ من الحرية السياسية، وأنه ليس خاضعًا لإقامةٍ جبرية أو تقييدٍ كامل، في محاولةٍ لنفي أي سرديات تتحدث عن الاحتجاز أو منع العودة، وتقديم صورةٍ محسوبة تُظهر الراعي الإقليمي في موقع الضامن لحرية الحركة والتعبير.
غير أن القراءة المتأنية تكشف أن هذا الهامش الممنوح هو جزء من إدارة المشهد، لا خروجه عن السيطرة؛ إذ يُستخدم كأداةٍ لإعادة تشكيل الرواية، وامتصاص الضغوط، وتوجيه بوصلة الرأي العام، خصوصًا في ظل تصاعد الأحداث الميدانية في حضرموت، وما رافقها من انتهاكات فجّة بحق متظاهرين سلميين خرجوا للتعبير عن إرادتهم المشروعة.
في المقابل، جاء بيان الوفد الجنوبي مشحونًا بلغةٍ حادة وسقفٍ سياسي مرتفع، عاكسًا حالة الغضب الشعبي، ومؤكدًا انحيازه الكامل لنبض الشارع، بل وذهب إلى ما هو أبعد بإعلانه تعليق كافة أنشطته، في خطوةٍ تعكس حجم الإحراج السياسي، وتضع الأطراف المعنية أمام اختبارٍ حقيقي لمدى جديتها في احترام الحقوق والحريات.
إن ما بين سطور هذا المشهد، يتضح أن القضية لم تعد مجرد بيان أو رد فعل، بل صراع روايات، ومحاولة كل طرف تثبيت موقعه في معادلة معقدة، حيث تُستخدم التصريحات كأدوات تأثير، وتُدار المواقف بعناية فائقة، فيما تبقى الحقيقة الأبرز أن الشارع الجنوبي بات أكثر وعيًا، وأشد تمسكًا بحقوقه، وأقل قابلية للانخداع بالمناورات السياسية مهما تنوعت أساليبها.
وفي خضم ذلك، يظل السؤال معلقًا: هل ما نشهده هو انفتاحٌ حقيقي، أم إعادة تدويرٍ للقيود بصيغةٍ أكثر نعومة؟ والإجابة، كما يبدو، تُكتب في الميدان لا في البيانات.