مداد العاصمة



هل دولنا اليوم هي ذاتها الولايات الإسلامية؟.. اختلفت قوانينها وتغيّرت مسمياتها

الإثنين - 13 أبريل 2026 - 08:39 م

هل دولنا اليوم هي ذاتها الولايات الإسلامية؟.. اختلفت قوانينها وتغيّرت مسمياتها

صوت العاصمة/خاص:

كتب : أبو قصي الأشرم

نستطيع القول إن التاريخ الإسلامي، على امتداده من أطراف الهند إلى الأندلس، شهد قيام دول مستقلة على هذه الرقعة الجغرافية الواسعة، حيث انفردت أُسر أو أشخاص أو قادة جيوش بقيادة مساحات جغرافية شبيهة – إلى حدٍّ ما – بالتقسيم الحالي.


فقد مثّل الأغالبة والحفصيون في تونس، والموحدون والمرابطون في المغرب والجزائر، واستقلال الأندلس عن الخلافة العباسية في الجزيرة الإيبيرية (إسبانيا حاليًا). وكذلك في مصر ظهر أحمد بن طولون مؤسس الدولة الطولونية، ثم الإخشيديون والفاطميون. أما في الموصل وحلب والشام (سوريا حاليًا) فقد ظهرت الدولة الزنكية والأيوبية والحمدانية وغيرها. وفي خراسان ظهرت الدولة الصفارية والسامانية والدولة الغزنوية (إيران وأفغانستان حاليًا)، وفي الأناضول ظهرت الدولة السلجوقية (تركيا حاليًا)، كما ظهرت كيانات في مناطق ما وراء النهر، مثل دولة القبيلة الذهبية في مناطق آسيا الوسطى. كما شهدت مناطق أذربيجان وأرمينيا وما حولها دويلات أو تمردات، مثل ثورة الخرمية بقيادة بابك الخرمي، وكذلك حركات وتمردات في خراسان ارتبطت بأبي مسلم الخراساني.


ثم يكشف التاريخ عن قيام دول في زمن الخلافة، بعضها كان يوالي الخليفة، وبعضها كان مستقلًا فعليًا على رقعة جغرافية أو مساحة إقطاع، وهي في كثير من الأحيان مناطق تُشبه – من حيث الموقع الجغرافي العام – دولًا قائمة اليوم، قد تصغر مساحتها أو تكبر، أو تمثل جزءًا منها، مع اختلاف القوانين والمسميات، وقد احتفظ بعضها بالاسم أو الصفة نفسها. وكثير من الأقاليم والأقطار كان اعتراف ولاتها بالخلافة رمزيًا؛ مثل الدعاء للخليفة على المنابر أو صك العملة باسمه، مع استقلال في الإدارة والقضاء والجيش.


ومع ذلك، فقد كانت هذه المناطق، عبر التاريخ الطويل وفي مختلف الإمبراطوريات، تُدار بواسطة ولاة يعيّنهم المركز؛ فتكون مصر ولاية، وليبيا ولاية أخرى، وكذلك كانت مصر والسودان في بعض الفترات إدارة مشتركة، وكانت بلاد المغرب لها والٍ مستقل، وتونس لها حاكمها، وكذلك اليمن ودمشق والقدس وطرابلس ولبنان وعُمان والحجاز، حيث كان يُعيَّن في بعض الفترات واليان لمكة والمدينة.



وعلى هذا المنوال استمر تشكّل الأقاليم السياسية عبر العصور، مع تغيّر المسميات والأنظمة والحدود، وبقاء الإطار الجغرافي العام متقاربًا. فالتقسيم لم يكن وليد اتفاقية سايكس–بيكو وحدها، ولا نتيجة إرادة المحتل فقط، بل جاء – في جانب منه – امتدادًا لواقع جغرافي وإداري تاريخي سابق. فقد كانت العراق والشام، قبل الإسلام، مقسومة بين الغساسنة والمناذرة، وفي أواخر أيام الدولة العثمانية وُجدت ولايات تحمل أسماء قريبة مما نعرفه اليوم: العراق، ومصر، وسوريا، وفلسطين، ولبنان، واليمن، والسودان، ولكل رقعة جغرافية واليها، وكانت الدولة المركزية في الأناضول (تركيا اليوم)، وإلى جوارها أقاليم معروفة مثل أرمينيا وأذربيجان وإيران. بل إن أوروبا نفسها عرفت كيانات تاريخية استمرت أسماؤها قرونًا، مثل فرنسا وألمانيا وبلغاريا والمجر وبلاد الأفلاق وبلجيكا وإيطاليا وغيرها.


فالعالم كله تكوّن عبر التاريخ من مساحات جغرافية نشأت فيها شعوب وقبائل، نمت وكبرت وتوسعت وتداخلت واختلطت، حتى أصبحت كيانات واسعة، لكن الاسم بقي في كثير من الأحيان دالًا على أصل بشري أو قبلي أو حضاري كان من أوائل من استوطن تلك الأرض.


وإذا كانت سايكس–بيكو قد رسمت حدودًا سياسية حديثة، فإنها لم تُنشئ الجغرافيا من عدم، بل أعادت تثبيت مسميات على رقعٍ معروفة تاريخيًا. وكما فعل بعض الولاة قديمًا حين أقاموا دولًا مستقلة وبسطوا نفوذهم خارج إطار الخلافة، فقد ظهرت لاحقًا دول حديثة في ذات النواحي التي عُرفت تاريخيًا كمراكز حكم. والعودة إلى التاريخ تغني عن الإطالة، إذ تختصر فصول الحكاية وتبيّن مسارها.


لسنا ضعفاء ولا متفرقين كما قد يُتصوَّر؛ فقد قامت إمبراطورية المسلمين على أقاليم متعددة، لكل ثغر أو قطر والٍ يحكمه تحت راية الخلافة، ثم مرّت هذه الأقاليم بانقسامات وثورات تزاحمت أحداثها في كتب التاريخ وصفحات المؤرخين. لذلك، لا ينبغي أن ينشغل الفكر كثيرًا بفكرة عودة الدولة المركزية القديمة بصورتها التاريخية، لأن لكل عصر قوانينه ونُظُمه؛ فلا تعود هيبة هارون الرشيد، ولا حزم عبد الملك بن مروان، كما ولّى زمن جيوش الفتح وانقضى عهد الفاتحين.


وإن الدعوة إلى هدم الحدود وتبني فكرة الوطن الواحد دعوة باطلة، المضي فيها انجرار إلى صراعات طويلة الأمد وتفكك يصعب التعافي منه، وإن ما نعانيه اليوم ما هو إلا تبعات تبني القومية العربية والوحدة العابرة للحدود في أقطار العرب، متجاهلين عالمًا إسلاميًا هو أكثر شمولية وأكبر جغرافيا وتنوعًا.


وعليه، فإن التعايش اليوم مع هذه الأوطان والمسميات هو أقرب الطرق إلى تحقيق قدر من وحدة المصالح، والتعاون بين دول المسلمين، وتنسيق قراراتهم، وتقوية حضورهم وتأثيرهم. فرئيس مصر اليوم يقوم بوظيفة إدارة شؤون بلده كما كان الوالي قديمًا يدير إقليمه، وملك بروناي يرعى شؤون بلاده كما كان مبعوث الخليفة يرعى مصالح منطقته. وهكذا، فإن حلم الدولة الواحدة بصورتها القديمة قد يكون متعذرًا، لكن طموح التقارب، والتكامل، وربط المصالح، والعمل المشترك، هدف ممكن دون الحاجة إلى خليفة واحد أو إمبراطورية مركزية بالمعنى التاريخي القديم.

(المستحيل حلم لا يمكن تحقيقه، ولكن التفكير فيه بواقعية غاية يمكن إدراكها)

أبو قصي الأشرم
خائن في زمن التطبيل



الأكثر زيارة


عاجل:مأساة أسرية تهز خور مكسر بعدن.. مقـ.ـتل شاب على يد والد.

الإثنين/13/أبريل/2026 - 01:46 ص

أفاد مصدر أمني بوقوع حادثة مأساوية في منطقة العريش بمديرية خور مكسر في العاصمة عدن، تمثلت في مقتل شاب على يد والده، في واقعة يُرجح أن دوافعها تعود إلى


عاجل..جريـ.مة صادمة في عدن: شاب يق(تل) شقيقه في خورمكسر بالع.

الأحد/12/أبريل/2026 - 11:02 م

كشفت مصادر محليه عن تفاصيل جديدة ومؤلمة لحادثة القتل التي شهدتها مديرية خورمكسر بمدينة عدن، وتحديدًا في منطقة العريش، والتي تبيّن أنها جريمة أسرية راح


القائد الدحيمي ليس مجرد اسم عسكري هو نموذج للضابط الوطني الص.

الإثنين/13/أبريل/2026 - 04:18 ص

القائد الدحيمي ليس مجرد اسم عسكري هو نموذج للضابط الوطني الصلب ومحبوب، بين أوساط المجتمع ويزداد هذا الاعتزاز برمزنا غير قابلة للجدل أو مساومة خاب من ي


الرئيس القائد عيدروس الزبيدي الغائب الحاضر… حين يتحول القائد.

الإثنين/13/أبريل/2026 - 12:11 ص

بعد أكثر من ثلاثة أشهر من التصعيد العسكري والحرب النفسية المركّزة ضد الجنوب، يبرز مشهد سياسي وشعبي واضح المعالم: تمسّك غالبية أبناء الجنوب بخيار استعا