تقشير الطبقات: منطق ترامب في شنّ الـ.ـحرب وفرض الهدنة
الأربعاء - 22 أبريل 2026 - 01:11 ص
صوت العاصمة / كتب / حسام ردمان
ربط ترامب، في أكثر من مناسبة، قرار الحرب على إيران بمسعاه إلى تغيير النظام، وقد روّج الإعلام الدولي الى تعرّضه للتضليل من قبل نتنياهو بشأن إمكانية تحقيق هذا الهدف بسرعة. لكن هذه التسريبات كانت أقرب إلى محاولة تبرير الهدنة ، أكثر من كونها صالحة لتفسير سبب خوض الحرب.
لقد اجمعت المؤسسات العسكرية والاستخباراتية الامريكية على استحالة سقوط النظام الايراني من خلال حملة جوية قصيرة الأجل. ويصعب تخيل ان ترامب رفض تصديق ذلك وقرر الارتماء خلف نتنياهو.
كما أن حديث ترامب عن إسقاط النظام لا يمكن اعتماده كمرآة صادقة لغاياته الاستراتجية ، إذ لطالما استعمل الرئيس الأميركي مؤتمراته الصحفية من أجل المناورة التكتيكية، تمامًا مثلما توعّد بإبادة حضارة كاملة، ومثلما أشاد أيضًا بالقيادة الجديدة للنظام الإيراني وإمكانية التوصل معها إلى اتفاق.
ومن اجل استقراء منطق ترامب الاستراتيجي مع ايران يلزم الابتعاد، قدر الإمكان، عن تصريحاته الجدلية والمتضاربة، والتركيز بدقة على أنماط سلوكه على مدار العام الماضي، لأنها تقدم مؤشرات أكثر تماسكًا.
نهج ترامب للتعامل مع المعضلة الإيرانية
لقد دشّن ترامب ولايته الثانية باستئناف سياسات الضغط الأقصى ضد إيران، وفي الوقت نفسه أكّد الرئيس الأميركي رفضه توريط أميركا في حروب لا نهائية. وعلى هذا الأساس، اعتقدت طهران أن بوسعها إدارة حقبة ترامب بمزيج من الصبر الاستراتيجي والمرونة التفاوضية.
وفي مايو 2025، بدأت جولات التفاوض بين إيران وأميركا، وفي يونيو 2025 كان من المفترض أن تنعقد الجولة السادسة من المفاوضات في مسقط، بعد أن تقدّم الحديث من الجانب السياسي إلى الجانب الفني، لكن قبل يومين فقط جرى توجيه عملية عسكرية جوية مفاجئة على إيران من قبل إسرائيل، استمرت 11 يومًا، قبل أن تتدخل واشنطن في اليوم الثاني عشر لضرب المنشآت النووية الإيرانية، ثم تعلن وقف الحرب.
اعتبرت إيران أن ترامب مارس بحقها خيانة دبلوماسية، لكن تفعيل آلية العقوبات الأممية، واضطراب الساحة الداخلية، وتآكل نفوذها الجيوسياسي الإقليمي؛ أجبرها على الانخراط مجددًا في مفاوضات بداية 2026، بالتوازي مع تزايد الحشد الأميركي في المنطقة.
وللمرة الثانية، قدّمت إيران كل التنازلات التي تمكّن ترامب من إبرام اتفاق نووي أفضل من نسخة أوباما، وراهنت على وجود دعم عربي-تركي لهذه المقاربة. وعلى هذا الأساس، صعد وزير الخارجية العُماني، نهاية فبراير الماضي، ليقول إنه متفائل بشأن سير المحادثات، ومن المنتظر إجراء مفاوضات فنية وتقنية في فيينا بعد يومين، وإجراء جولة مفاوضات سياسية أخرى خلال أسبوع. وبينما كان البوسعيدي في واشنطن يصرّح، كانت الطائرات الأميركية والإسرائيلية تستعد للانطلاق في حملة عسكرية موجعة ضد إيران.
ضغط اقصى و حروب محدودة
يُظهر سلوك ترامب أن غايته من الضغط لم تكن إبرام صفقة سياسية شاملة، وفي الوقت نفسه لا يُظهر سلوك ترامب نزعة متهورة للانخراط في حرب برية لانهائية . لقد برمج الرئيس الأميركي تحركاته في منطقة وسطى من أجل الإخضاع الاستراتيجي للنظام الإيراني، عبر ما يمكن وصفه بسياسة "تقشير الطبقات".
تضم سياسة تقشير الطبقات مزيجًا من الضغوط الاقتصادية القصوى والحروب المحدودة والمتقطعة، بحيث تُنتزع في كل جولة طبقة جديدة من عناصر قوة النظام: من بنيته القيادية، إلى قدراته العسكرية، إلى هوامش حركته الإقليمية، إلى عوامل صموده الاقتصادي، بما يدفعه في النهاية إما إلى تغيير سلوكه، أو إلى التآكل التدريجي من الداخل.
وقد حملت هذه السياسة ملامح من الحرب الوقائية للمحافظين الجدد، لكنها في الحقيقة تمثل نموذجًا هجينًا جرى استقاؤه من رافدين: من جهة، هي عبارة عن هندسة عكسية للاستراتيجية الإيرانية التي تتقن إدارة صراعات "المنطقة الرمادية" وتتجنب الحروب التقليدية المفتوحة. ومن جهة أخرى، هي تطوير لمفاهيم الاستراتيجية الدفاعية الإسرائيلية، وتحديدًا سياسة "المعركة ما بين الحروب"، وسياسة "جزّ العشب".
من الحرب إلى الهدنة
وضع ترامب ثلاثة أهداف عملياتية لحملته العسكرية: تدمير القوة البحرية الإيرانية، وتأخير البرنامج النووي، وإضعاف البنية التحتية العسكرية. وحتى الآن، نجح إلى حد كبير في تحقيق قدر معتبر من الأهداف الثلاثة، فيما تبدو الظروف مهيأة لمواصلة الضغط باتجاه هدف رابع، هو تفكيك شبكة الوكلاء.
وعلى هذا الأساس، فإن وقف الحرب بعد إكمال بنك الأهداف العملياتي للحملة، يُعد نجاحًا من منظور ترامب، حتى وإن ظل النظام صامدًا في طهران. في حين أن استمرارها يعني تعزيز أفضلية إيران في حرب الاستنزاف، خصوصًا بعد أن أدركت أهمية مضيق هرمز كوسيلة ردع تفوق، ربما، السلاح النووي.
وفي بداية أبريل الجاري، استخدم ترامب الترهيب والترغيب لفرض قواعد جديدة للعبة: وقف الحرب مقابل فتح هرمز، وهو ما جرى تمريره ضمنيًا خلال جولة الحوار الأولى في إسلام آباد، مع ادراج الجبهة اللبنانية ضمن تفاهمات وقف إطلاق النار. لكن ترامب اكتشف أن هرمز سلاح ذو حدّين، وأن بوسعه محاصرة إيران كأداة ضغط لإجبارها على القدوم إلى الجولة الثانية من إسلام آباد وهي في موقع ضعف.
في المحصلة، أضيفت طبقة تعقيد جديدة الى المفاوضات تتعلق بحرية الملاحة إلى جانب الملف النووي المستعصي أصلًا. وخلال فترة الهدنة المؤقتة والهشّة، واصلت واشنطن تحشيدها العسكري في المنطقة، بما يشي بأن ترامب قد يمارس مجددًا خداعًا استراتيجيًا لانتزاع وقفة تعبوية قبل العودة لمواصلة تقشير طبقات النظام.
من الهدنة الى الحرب
يطمح الوسيط الباكستاني إلى إقناع الطرفين بتمديد الهدنة قدر الإمكان، وتطويرها إلى "اتفاق إطاري" يعقبه مسار تفاوضي ذو مصداقية لحل المعضلة النووية، وهذا يبدو صعبًا للغاية في ظل التباين الحاد بين موقفي الطرفين، وانعدام الثقة التام عقب جولات التفاوض السابقة التي كانت مقدمة للحرب.
وفي هذه الحالة، قد تجد الولايات المتحدة نفسها مضطرة إلى استخدام قدر أكبر من قوتها التدميرية ضد النظام الإيراني، بما يفقد ترامب أفضليته الحالية ويدخله في دورة استنزاف متبادل، لأن طهران سوف ترد عبر توسيع الحرب أفقيًا، سواء في الخليج أو في باب المندب.
في المحصلة، يرتسم المشهد الإقليمي على النحو التالي: أميركا لا تريد أن تكون مستنزفة، وفي الوقت نفسه تريد أن تظل متفوقة تصعيديًا على ايران . وإسرائيل تخشى أن تصير مهمشة تفاوضيا وتتحفز إلى جولة حرب جديدة بعد أن تسترد أنفاسها. أما إيران فتخاف أن تظل مستباحة من قبل واشنطن وتل أبيب، وتريد أن تضمن ان الحرب الدائرة هي الحرب الأخيرة.