بين التعبئة والوعي : حين يتحول الخطاب إلى درعٍ ضد الحقيقة
الخميس - 23 أبريل 2026 - 12:18 ص
صوت العاصمة/ كتب : د. فؤاد علي ناصر الحاج
في اللحظات المفصلية من تاريخ الشعوب، لا يكون أخطر ما يواجهها هو العدو الخارجي وحده، بل ذلك الميل الخفي إلى تبسيط الواقع، وتحويله إلى معادلات جاهزة تُريح العقل وتُعفيه من عناء السؤال. وهنا تحديدًا، يتقدّم بعض الخطاب السياسي والإعلامي ليؤدي دورًا مزدوجًا: يرفع المعنويات من جهة، ويغلق أبواب النقد من جهة أخرى.
ثمة نمط من الكتابة يُكثر من استدعاء مفردات “الحرب الإعلامية والنفسية”، ويُقابلها بإرادة وطنية يُفترض أنها صلبة ومحصّنة بطبيعتها. غير أن هذه الثنائية، رغم جاذبيتها التعبوية، تُخفي أكثر مما تُظهر. فهي تُقصي احتمالًا بسيطًا لكنه جوهري: أن بعض مظاهر الإحباط ليست مستوردة، بل مُنتجة من داخل الواقع نفسه؛ من أزمات تتراكم، ومن أداء سياسي لم يبلغ مستوى التحديات، ومن فجوة آخذة في الاتساع بين الخطاب والممارسة.
إن تحويل كل نقد إلى صدى “لحرب معادية” ليس تحصينًا للوعي، بل إضعاف له. فالمجتمعات الحيّة لا تخاف من الأسئلة، ولا ترتبك أمام المراجعة، بل تتقوّى بها. أما حين يُستبدل التحليل بالتخوين الضمني، ويُستبدل التشخيص الواقعي بالتعبئة العاطفية، فإننا لا نواجه الحرب النفسية، بل نمنحها أدواتها دون أن نشعر.
ثم إن الحديث عن “الهزيمة النفسية” بوصفها الخطر الأكبر، وإن كان يحمل قدرًا من الصحة، إلا أنه يظل ناقصًا ما لم يُربط بأسبابه الحقيقية. فالهزيمة لا تتسلل فقط عبر الشائعات، بل عبر غياب الشفافية، وعبر إعلامٍ لا يقول كل الحقيقة، وعبر واقعٍ يخذل توقعات الناس. الوعي لا يُبنى بالشعارات، بل بالصدق، ولا يُحصَّن بالتوجيه، بل بالمكاشفة.
ومن زاوية أخرى، فإن الدعوة إلى “معركة وعي” تظل ناقصة ما لم تتحوّل إلى برنامج عمل واضح. كيف نواجه التضليل؟ كيف نرفع كفاءة الإعلام؟ كيف نعمل عملًا مؤسسيًا؟ كيف نُنتج خطابًا عقلانيًا يُقنع قبل أن يُحرّض؟ هذه الأسئلة الجوهرية تغيب غالبًا لصالح لغة عامة تُجيد التعبئة لكنها لا تُقدّم أدوات المواجهة.
إن أخطر ما يمكن أن نرتكبه في هذه المرحلة ليس أن نُهزم نفسيًا، بل أن نُقنع أنفسنا بأننا بمنأى عن الخطأ. فالثقة بالنفس لا تعني إنكار العيوب، والإرادة الوطنية لا تُقاس بارتفاع الصوت، بل بقدرتها على مواجهة الحقيقة، مهما كانت قاسية.
لهذا، فإن معركة الوعي الحقيقية لا تبدأ من رفض “التقييم”، بل من مراجعة “الذات”. لا تبدأ من التخوين وسلق القناعات الجاهزة، بل من فهم أسباب تلك المشكلات. ولا تُحسم بالشعارات، بل ببناء عقل جمعي قادر على التمييز بين ما هو دعاية، وما هو واقع.
حينها فقط، يمكن للإرادة أن تكون صلبة بحق… لا لأنها مُحصّنة بالشعارات، بل لأنها مُدعّمة بالوعي.
فثمة أداءٌ وعملٌ يفرض نفسه على طاولة التقييم، لا مجاملةً ولا ترفًا، بل ضرورة. لأن من يكرر الغوص في النهر ذاته، وبالطريقة ذاتها، إنما يُراكم الألم ولا يصنع خلاصًا.
والسؤال الذي لا يمكن الهروب منه: هل نحن بصدد مراجعة حقيقية… أم إعادة تدوير للفشل بلغةٍ جديدة؟