المجلس الانتقالي الجنوبي في قلب المتغيرات.. كيف يعيد الجنوب رسم خارطته السياسية؟
الخميس - 23 أبريل 2026 - 12:36 ص
صوت العاصمة/ تقرير: مريم بارحمة
يتصدرُ المجلسُ الانتقالي الجنوبي مشهدَ التحولات السياسية والعسكرية التي تشهدها الساحة الجنوبية على وجه الخصوص، وفي المشهد اليمني عموما، بعدما تمكن خلال السنوات الأخيرة من الانتقال من موقع الحضور الرمزي لقضية الجنوب إلى موقع التأثير المباشر في معادلات الداخل والخارج.
فمنذ تأسيسه في عام 2017م، لم يعد المجلس الانتقالي الجنوبي مجرد إطار سياسي يعبّر عن تطلعات قطاع واسع من أبناء الجنوب، بل أصبح لاعبًا رئيسيًا في رسم ملامح المشهد السياسي الجنوبي، وفي إعادة تشكيل موازين القوى داخل الجنوب وفي علاقته مع الأطراف الإقليمية والدولية المعنية بالملف الجنوبي واليمني.
ومع تسارع المتغيرات الإقليمية، وتبدل أولويات القوى الدولية، وتزايد الضغوط الاقتصادية والخدمية، بات الجنوب اليوم أمام مرحلة مفصلية تتجاوز مجرد المطالبة السياسية التقليدية إلى مرحلة إعادة صياغة موقعه في المعادلة اليمنية والإقليمية، وهو ما يجعل من فهم دور المجلس الانتقالي الجنوبي ضرورة لفهم طبيعة التحولات التي تشهدها قضية شعب الجنوب ذاتها.
-من الحراك الشعبي إلى التنظيم السياسي
لا يمكن قراءة الدور الحالي للمجلس الانتقالي الجنوبي بمعزل عن الجذور التاريخية لقضية شعب الجنوب. فمنذ حرب 1994م، عانى الجنوب من سياسات إقصاء ممنهجة طالت حضوره السياسي والإداري، إذ تعرضت قياداته السياسية والعسكرية لعمليات اغتيال واعتقال وإخفاء قسري، بالتزامن مع تسريح آلاف الموظفين الجنوبيين من أعمالهم، وتفريغ المؤسسات المدنية والعسكرية من كوادرها الجنوبية، الأمر الذي رسّخ شعورًا واسعًا لدى أبناء الجنوب بأن الوحدة تحولت من مشروع شراكة وطنية إلى واقع اختلّت فيه موازين السلطة والثروة. وقد ظل هذا التهميش السياسي والاقتصادي حاضرًا بقوة في الوعي الجمعي لأبناء الجنوب، وتجسد لاحقًا في الحراك الجنوبي السلمي الذي انطلق عام 2007م، حين بدأت الأصوات الجنوبية تتصاعد للمطالبة باستعادة الدولة الجنوبية، أو على الأقل إعادة النظر في شكل الوحدة اليمنية.
لكن الحراك الجنوبي، رغم زخمه الشعبي، عانى طويلًا من التشتت التنظيمي والانقسام القيادي، وهو ما حدّ من قدرته على التحول إلى قوة سياسية موحدة. ومع تطورات الحرب على الجنوب في عام 2015م، وظهور فراغ سياسي وأمني واسع في الجنوب، برزت الحاجة إلى كيان سياسي قادر على تمثيل الجنوب بصورة أكثر تنظيمًا، وهو ما تُوّج بإعلان المجلس الانتقالي الجنوبي.
استطاع المجلس منذ بداياته أن يقدّم نفسه باعتباره الممثل السياسي الشرعي والرسمي لقضية الجنوب، مستفيدًا من عدة عوامل، في مقدمتها الدعم الشعبي في عدد من محافظات الجنوب، ووجود قيادة سياسية ذات حضور ميداني، إضافة إلى امتلاكه أدوات سياسية وعسكرية مكّنته من فرض نفسه ضمن المعادلة الجديدة.
-المجلس الانتقالي وتحولات موازين القوة
شهد الجنوب خلال السنوات الأخيرة إعادة ترتيب تدريجية لمراكز النفوذ. ففي السابق كانت القوى التقليدية والسلطات المحلية المتعددة تتحكم بالمشهد، إلا أن المجلس الانتقالي الجنوبي نجح في توسيع حضوره عبر بناء مؤسسات سياسية وتنظيمية موازية، وتثبيت نفوذه في العاصمة عدن وعدد من محافظات الجنوب.
ولعل أبرز ما ميّز تجربة المجلس هو قدرته على الجمع بين العمل السياسي والقدرة الميدانية، إذ لم يكتفِ بخطاب سياسي يطالب بحقوق الجنوب، بل عمل على بناء حضور فعلي في المؤسسات المحلية، والمشاركة في الترتيبات الأمنية، والانخراط في مفاوضات سياسية معقدة جعلته طرفًا لا يمكن تجاوزه.
هذا التحول جعل المجلس الانتقالي الجنوبي ينتقل من مرحلة الدفاع عن قضية شعب الجنوب إلى مرحلة إدارة جزء من الواقع الجنوبي، وهو انتقال بالغ الحساسية، لأن الانتقال من المعارضة إلى المشاركة في إدارة الواقع يفرض تحديات أكبر من مجرد رفع الشعارات السياسية.
-من اتفاق الرياض إلى الشراكة السياسية
شكل اتفاق الرياض محطة مهمة في مسار المجلس الانتقالي الجنوبي، إذ مثّل الاعتراف الإقليمي والدولي الأول بالمجلس كطرف سياسي ضمن منظومة الشرعية اليمنية. ورغم التعقيدات التي رافقت تنفيذ الاتفاق، فإن المجلس استطاع من خلاله أن ينتقل من كونه طرفًا محليًا إلى شريك في العملية السياسية.
وقد منح هذا الاتفاق المجلس مساحة أوسع للتحرك السياسي، لكنه في الوقت ذاته وضعه أمام اختبار جديد يتمثل في كيفية الموازنة بين مشروعه السياسي الجنوبي وبين مقتضيات الشراكة مع القوى الأخرى داخل مؤسسات الدولة.
هذه المعادلة المعقدة خلقت تحديًا دائمًا أمام المجلس، إذ بات مطالبًا بالحفاظ على خطابه الداعم لاستعادة الجنوب، دون أن يؤدي ذلك إلى تفجير التفاهمات السياسية التي أوجدت له مساحة للحضور الإقليمي والدولي.
-المتغيرات الإقليمية وأثرها على الجنوب
لا يتحرك المجلس الانتقالي الجنوبي في فراغ سياسي، بل في بيئة إقليمية شديدة التعقيد. فالمشهد الإقليمي يشهد تغيرات متسارعة، من بينها إعادة ترتيب العلاقات بين القوى الإقليمية، وتغير أولويات التحالفات، وتزايد الاهتمام الدولي بأمن البحر الأحمر وخليج عدن.
هذه المتغيرات منحت الجنوب أهمية استراتيجية متزايدة، ليس فقط بسبب موقعه الجغرافي، بل أيضًا بسبب دوره المحتمل في تأمين الممرات البحرية الدولية. وفي هذا السياق، أصبح المجلس الانتقالي الجنوبي جزءًا من نقاش أوسع يتعلق بمستقبل الاستقرار في المنطقة.
وقد أدرك المجلس مبكرًا أن نجاحه لا يتوقف على حضوره الداخلي فقط، بل يتطلب أيضًا بناء شبكة علاقات سياسية خارجية تسمح له بطرح قضية الجنوب ضمن الأجندة الدولية بصورة أكثر فاعلية.
-تحديات الداخل الجنوبي
رغم النجاحات السياسية التي حققها المجلس الانتقالي الجنوبي، فإنه يواجه تحديات داخلية معقدة. فالشارع الجنوبي لا ينظر فقط إلى الخطاب السياسي، بل يربط بين شرعية أي مشروع سياسي وقدرته على تحسين الواقع المعيشي والخدمي.
وتتمثل أبرز التحديات في:
تدهور الخدمات الأساسية ومنها: أزمة الكهرباء، وانهيار العملة، وارتفاع الأسعار، وضعف المؤسسات الحكومية، والبطالة المتزايدة بين الشباب.
هذه الملفات تضع المجلس الانتقالي الجنوبي أمام مسؤولية مزدوجة، لأنه لم يعد مجرد حركة احتجاجية، بل أصبح جزءًا من السلطة المحلية والسياسية، وبالتالي فإن المواطنين يحمّلونه جزءًا من مسؤولية الواقع اليومي.
-إعادة رسم الخارطة السياسية الجنوبية
ما يميز المرحلة الحالية هو أن الجنوب لم يعد ساحة جامدة، بل أصبح يشهد عملية إعادة تشكيل سياسية مستمرة. والمجلس الانتقالي الجنوبي يلعب دورًا محوريًا في هذه العملية عبر عدة مسارات منها:
أولًا: توحيد الصوت الجنوبي حيث يحاول المجلس تقديم نفسه كإطار جامع للمكونات الجنوبية، بما يضمن تقليص الانقسامات التاريخية. ثانيًا: بناء مؤسسات جنوبية من خلال السعي إلى تعزيز وجود مؤسسات سياسية وإدارية قادرة على تمثيل الجنوب.
ثالثًا: تدويل قضية الجنوب من خلال الحضور الخارجي والدبلوماسي، يسعى إلى نقل قضية الجنوب إلى مستوى أوسع. رابعًا: إعادة تعريف العلاقة مع الشمال فالمجلس الانتقالي يحاول صياغة رؤية جديدة للعلاقة السياسية بين الجنوب والشمال.
-بين الطموح والواقع
يبقى السؤال الأهم: هل يستطيع المجلس الانتقالي الجنوبي تحويل طموحه السياسي إلى مشروع قابل للتحقق؟
الإجابة لا تزال مرتبطة بعدة عوامل:
قدرته على الحفاظ على وحدة الصف الجنوبي، وتحسين الأوضاع المعيشية، وإدارة العلاقات الإقليمية بحكمة، وتطوير خطاب سياسي واقعي، والتعامل مع المتغيرات الدولية.
فالنجاح السياسي لا يقاس فقط بمدى قوة الخطاب، بل بقدرة القيادة على تحويل المشروع إلى واقع ملموس.
-مستقبل المجلس الانتقالي الجنوبي
المؤشرات الحالية تشير إلى أن المجلس الانتقالي الجنوبي سيظل خلال المرحلة المقبلة أحد أهم اللاعبين في الجنوب. إلا أن استمرارية هذا الدور مرهونة بقدرته على الانتقال من مرحلة الحضور السياسي إلى مرحلة بناء نموذج حكم قادر على إقناع الداخل والخارج.
فالجنوب اليوم لا يبحث فقط عن تمثيل سياسي، بل عن مشروع دولة، وعن قيادة تستطيع أن تقدم رؤية واضحة للمستقبل، وهو ما يجعل المرحلة القادمة حاسمة في تحديد ما إذا كان المجلس الانتقالي الجنوبي سيتمكن من ترسيخ موقعه كقائد للتحول السياسي الجنوبي، أم أنه سيواجه تحديات متصاعدة قد تعيد خلط الأوراق وتضع قدرته على المحافظة على الزخم الشعبي والسياسي أمام اختبار بالغ التعقيد