أخبار محلية



حين تُطفأ المدن عمداً… من المستفيد من هندسة الانهيار؟

السبت - 25 أبريل 2026 - 01:10 ص

حين تُطفأ المدن عمداً… من المستفيد من هندسة الانهيار؟

صوت العاصمة/ عدن


في المشهد الذي يبدو للوهلة الأولى مجرد تدهور عابر في الخدمات، تتكشف طبقات أعمق من التعقيد حين ننظر إليه كظاهرة متكررة وليست حادثًا عرضيًا. انقطاع الكهرباء، شحّ المياه، تأخر الرواتب، تدهور العملة، وانهيار البنية التحتية… كلها عناصر تتكرر بنفس النسق، وكأنها جزء من مشهد مُعاد إنتاجه بدقة، لا نتيجة خلل طارئ فقط. هنا يبدأ السؤال الحقيقي: هل نحن أمام عجز، أم أمام سياسة تُدار بصمت؟
في واقع مثقل بالصراعات، لا تكون الخدمات مجرد واجب حكومي، بل تتحول إلى ورقة ضغط فعّالة. حين يُترك الناس لساعات طويلة في الظلام، أو يُدفعون للوقوف في طوابير لا تنتهي للحصول على أبسط احتياجاتهم، تتغير أولوياتهم قسرًا. ينشغل المواطن بتأمين الماء والغذاء والوقود، وتتراجع قدرته على التفكير في الشأن العام أو المشاركة في أي فعل سياسي. إنها عملية إنهاك بطيء، تُعيد تشكيل وعي المجتمع وتدفعه نحو الانكفاء على الذات بدل المواجهة.
لكن الأمر لا يتوقف عند حدود الإضعاف النفسي والمعيشي. في كثير من الأحيان، يُستخدم تدهور الخدمات كوسيلة لإعادة صياغة القبول الشعبي. عندما يصل الوضع إلى درجة الانهيار الكامل، يصبح أي تحسن—even لو كان محدودًا—إنجازًا يُحتفى به. وهنا تُعاد برمجة توقعات الناس، فيتحول الحد الأدنى إلى طموح، ويصبح الاستقرار المؤقت مكسبًا كبيرًا، حتى لو لم يُعالج جذور المشكلة.
في الخلفية، تتحرك حسابات النفوذ. الفراغ الذي يخلقه انهيار الخدمات لا يبقى فارغًا طويلًا، بل تُسارع جهات مختلفة لملئه. قد تظهر أطراف تقدم نفسها كمنقذ، عبر دعم أو مشاريع أو تدخل مباشر في إدارة قطاعات حيوية. ومع كل تدخل، يتعزز حضورها ويتوسع نفوذها، ليس فقط في الاقتصاد، بل في القرار السياسي أيضًا. وهكذا، يتحول الانهيار إلى مدخل لإعادة توزيع القوة على الأرض.
ولا يمكن إغفال أن بعض مظاهر التدهور قد تكون نتيجة مباشرة لصراع أطراف متعددة، كل طرف يسعى لإضعاف الآخر حتى لو كان الثمن شلل الخدمات العامة. في مثل هذه البيئات، تتحول مؤسسات الدولة إلى ساحات تنازع، وتُستخدم الموارد كورقة ابتزاز، بينما يبقى المواطن الحلقة الأضعف في معادلة لا يملك التأثير عليها.
في المقابل، يظل عامل الفساد وسوء الإدارة حاضرًا بقوة. غياب الشفافية، ضعف الرقابة، وتداخل المصالح، كلها تخلق بيئة مثالية لاستنزاف الموارد دون مساءلة. قد لا تكون هناك دائمًا “خطة انهيار” بالمعنى الحرفي، لكن النتيجة النهائية لا تختلف كثيرًا: خدمات تتآكل تدريجيًا، وثقة عامة تتراجع، ونظام يفقد قدرته على القيام بوظائفه الأساسية.
ما يجعل الصورة أكثر تعقيدًا هو تداخل هذه العوامل جميعًا. فالانهيار قد يكون في جزء منه نتيجة فشل إداري، وفي جزء آخر أداة ضغط سياسي، وفي جانب ثالث مدخلًا لإعادة تشكيل النفوذ. هذه التركيبة تجعل من الصعب اختزال الظاهرة في سبب واحد، لكنها في الوقت ذاته تكشف أن ما يحدث ليس بريئًا بالكامل ولا عشوائيًا كما يبدو.
في النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا أمام الجميع: إلى متى ستظل الخدمات رهينة لهذه الحسابات؟ وهل يمكن كسر هذه الدائرة دون إعادة بناء منظومة إدارة شفافة ومستقرة تضع احتياجات الناس فوق صراعات القوى؟ الإجابة ليست سهلة، لكنها تبدأ بالاعتراف أن ما يحدث يتجاوز مجرد “أزمة خدمات”، ليصل إلى مستوى أعمق من إعادة تشكيل الواقع نفسه.



الأكثر زيارة


مليشـ,ـيا الحـ,ـوثي تدفع بتعزيزات ضخمة وغير مسبوقة باتجاه هذ.

الثلاثاء/29/سبتمبر/2026 - 04:51 م

دفعت مليشيا الحوثي الإرهابية، يوم الإثنين، بتعزيزات عسكرية وأمنية كبيرة باتجاه محافظة تعز، في تحرك وصف بأنه غير مسبوق، وسط مطالبات للقوات الحكومية وال


ضياء الهاشمي في مقال لاذع لمحافظ عدن: علم الجنوب ونشيده ليسا.

الثلاثاء/29/سبتمبر/2026 - 01:34 ص

وجهت الناشطة والكاتبة الجنوبية ضياء الهاشمي انتقادات لاذعة إلى محافظ العاصمة عدن، بصفته المسؤول الأول فيها، على خلفية إصدار أوامر شفهية للمؤسسات التعل


قتلى وجرحى في قصف صاروخي حو.ثي على العاصمة عدن.

الثلاثاء/29/سبتمبر/2026 - 02:17 م

في تصعيد هو الأبرز من نوعه باتجاه العاصمة عدن، استهدفت مليشيا الحوثي، صباح الثلاثاء، بصواريخ باليستية مقر الفرقة الأولى التابعة لقوات درع الوطن في منط


بن لغبر: قضية الجنوب ليست خاضعة لسياسات دول أخرى وطريق التحا.

الأربعاء/30/سبتمبر/2026 - 12:13 ص

قال الإعلامي صلاح بن لغبر إن قضية الجنوب وشعبه ليست خاضعة، ولا ينبغي أن تكون لسياسات دول أخرى، مؤكداً أن من يريد وطناً لا يغيّر ذاكرته وموقفه كلما تغي