حماية العرب امتلاك سـ.ـلاح نـ.ـووي
الثلاثاء - 28 أبريل 2026 - 12:56 ص
صوت العاصمة/ كتب / أ.د. أحمد الشاعر باسردة
تعود فكرة امتلاك العرب للسلاح النووي إلى الواجهة كلما تصاعدت التهديدات الإقليمية، سواء من إسرائيل أو من إيران، وكلما بدا أن ميزان القوة يميل بشكل واضح ضد المصالح العربية. هذه الفكرة، في جوهرها، تقوم على منطق الردع: إذا امتلك العرب سلاحًا نوويًا، فلن يجرؤ أحد على تهديدهم أو فرض إرادته عليهم، وستتحول أراضيهم إلى منطقة محرمة على الحروب الكبرى. لكن هذا الطرح، رغم وجاهته الظاهرية، يحتاج إلى قراءة أعمق تتجاوز العاطفة السياسية إلى حسابات الواقع المعقد.
التجارب السابقة تقدم لنا إشارات مهمة. لقد حاول العراق في عهد صدام حسين تطوير برنامج نووي، وانتهى هذا المشروع بضربة عسكرية استباقية دمّرت مفاعله، في رسالة واضحة بأن امتلاك هذا السلاح في المنطقة ليس مسألة تقنية فقط، بل هو قرار دولي وإقليمي شديد الحساسية. كما حاولت ليبيا في عهد القذافي الدخول في هذا المسار، لكنها واجهت ضغوطًا هائلة انتهت بالتخلي عن البرنامج، دون أن تحصل بالمقابل على ضمانات حقيقية لأمنها أو استقرارها. هذه التجارب تكشف أن الطريق إلى السلاح النووي ليس مجرد إرادة سياسية، بل هو صراع مع منظومة دولية كاملة تسعى إلى احتكار هذا النوع من القوة.
من الناحية النظرية، يمكن القول إن امتلاك العرب لسلاح نووي موحد قد يخلق توازنًا استراتيجيًا في المنطقة، ويحد من التفوق العسكري الإسرائيلي، ويضع سقفًا للتدخلات الإقليمية، خاصة من إيران. لكن المشكلة لا تكمن فقط في “امتلاك السلاح”، بل في “من يملكه وكيف يُدار”. فالعالم لا يخشى السلاح بقدر ما يخشى سوء إدارته أو استخدامه في بيئة غير مستقرة. وهنا تبرز الإشكالية الكبرى: هل النظام العربي الحالي، بتشابكاته وخلافاته، قادر على إدارة قوة بهذا الحجم دون أن تتحول إلى خطر داخلي؟.
الواقع العربي، للأسف، لا يزال يعاني من انقسامات حادة، وصراعات سياسية، واختلافات في الرؤى الاستراتيجية. العلاقات بين بعض الدول العربية ليست مستقرة، بل تتقلب بشكل سريع، كما لو أنها بالفعل “مناخ يتغير عدة مرات في اليوم”. في ظل هذا الواقع، يصبح الخوف من أن يتحول السلاح النووي إلى أداة ضغط داخلية أو تهديد متبادل بين العرب أنفسهم، خوفًا مشروعًا وليس مبالغًا فيه. فالتاريخ مليء بأمثلة لدول امتلكت أدوات قوة كبيرة لكنها عجزت عن إدارتها بحكمة.
من هنا، قد يكون الطرح الأكثر واقعية وعمقًا هو النظر إلى “القوة النووية” كرمز، وليس كهدف بحد ذاته. الرمز الحقيقي للقوة العربية لا يجب أن يكون قنبلة نووية، بل مشروعًا سياسيًا واقتصاديًا واستراتيجيًا متماسكًا. فكرة الكونفدرالية العربية، التي أشرت إليها، تمثل في هذا السياق بديلاً أكثر استدامة وفعالية. كونفدرالية تقوم على تنسيق السياسات الدفاعية، وتكامل الاقتصاد، وتوحيد القرار الاستراتيجي، يمكن أن تخلق قوة ردع حقيقية دون الحاجة إلى الدخول في مغامرة نووية محفوفة بالمخاطر.
القوة في عالم اليوم لم تعد تقاس فقط بالسلاح، بل بالقدرة على بناء التحالفات، وإدارة الموارد، والتأثير في الاقتصاد العالمي، وصناعة القرار الدولي. وإذا استطاع العرب بناء كيان موحد أو شبه موحد، فإنهم سيملكون أدوات ضغط وتأثير قد تفوق في نتائجها امتلاك سلاح نووي، خاصة إذا تم توظيف الثروات الطبيعية والموقع الجغرافي والإمكانات البشرية بشكل استراتيجي.
إن السؤال الحقيقي ليس: هل يجب أن يمتلك العرب السلاح النووي؟ بل: هل يمتلك العرب مشروعًا موحدًا يجعلهم قوة يُحسب لها حساب؟ إذا تحقق هذا المشروع، فإن مسألة التسلح ستصبح جزءًا من منظومة متكاملة، وليست خيارًا معزولًا أو رد فعل على تهديدات الآخرين.
في النهاية، قد يبدو السلاح النووي طريقًا مختصرًا نحو القوة، لكنه في الحقيقة طريق محفوف بالمخاطر، وقد يقود إلى عزلة أو صدامات لا يمكن التحكم بنتائجها. أما الطريق الأصعب، لكنه الأكثر أمانًا واستدامة، فهو بناء كيان عربي متماسك، قادر على فرض نفسه في المعادلة الدولية، ليس فقط بالقوة العسكرية، بل بالقوة الشاملة التي تصنعها الوحدة والاستراتيجية
* رئيس تجمع اتحاد الجنوب العربي