النور لا يشيب..
الثلاثاء - 28 أبريل 2026 - 12:57 ص
صوت العاصمة/ بقلم / إلهام محمد زارعي
في المجتمعات التي تمر بأزمنة مضطربة، لا تصبح الحاجة إلى النور تعبيرًا بلاغيًا فحسب، بل ضرورة فكرية وأخلاقية تمسّ جوهر بقاء المجتمع وقدرته على استعادة توازنه. فالنور الحقيقي لا يرتبط بالمظاهر العابرة، بل بالحقيقة التي تمنح الإنسان قدرة على التمييز، وبالقيم التي تحمي العلاقات الإنسانية من الانهيار. ومن هنا تبرز حقيقة ثابتة مفادها أن النور لا يشيب؛ لأن ما يستند إلى الحقيقة يظل قادرًا على التجدد مهما طال عليه زمن العتمة.
إن أولى القضايا التي ينبغي التوقف عندها في واقعنا اليوم هي قضية تحرّي الحقيقة. فالمجتمعات لا تُبنى على التكرار غير الواعي للموروث، ولا على التسليم بما اعتاده الناس دون فحص أو تأمل، بل تنهض حين يمتلك الإنسان شجاعة السؤال، وقدرة مراجعة الأفكار، والتمييز بين ما يخدم الحياة وما يعطلها. التقاليد في أصلها عنصر استقرار، لكنها حين تتحول إلى حواجز تمنع التفكير الحر، فإنها تصبح سببًا في استمرار كثير من الأزمات الاجتماعية والثقافية.
وفي وطننا اليوم، حيث فرضت الحرب والتحديات الناجمة عنها على الناس واقعًا بالغ القسوة، تبدو الحاجة إلى هذا الوعي أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى؛ لأن المجتمعات الخارجة من النزاعات لا تحتاج فقط إلى حلول سياسية واقتصادية، بل إلى إعادة بناء داخلية تبدأ من الإنسان نفسه، ومن الطريقة التي يفهم بها علاقته بالآخر وبالوطن وبالمستقبل.
وفي هذا السياق، تبقى الأسرة هي المجال الأول الذي تتشكل فيه ملامح هذا الوعي. فالأسرة ليست مجرد وحدة اجتماعية محدودة، بل هي المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الإنسان معنى الصدق، واحترام الرأي، وضبط الانفعال، وتحمل المسؤولية. وما يتلقاه الطفل داخل البيت من قيم الحوار والعدل والرحمة ينعكس لاحقًا في سلوكه تجاه المجتمع كله.
إن سلام المجتمع لا يمكن أن يُفصل عن سلام الأسرة؛ لأن الأسرة التي يسودها الاحترام تنتج أفرادًا أكثر قدرة على قبول الاختلاف، وأكثر ميلًا إلى التفاهم بدل الصدام. أما حين تنتقل إلى البيت لغة التوتر والانقسام والخوف، فإن المجتمع يصبح أكثر عرضة لإعادة إنتاج النزاع في صور متعددة.
لقد أظهرت التجربة اليمنية خلال السنوات الماضية أن آثار الحرب لم تتوقف عند حدود الاقتصاد أو الخدمات أو الأمن، بل امتدت إلى البنية النفسية والاجتماعية للأسر. فقد دخل القلق إلى تفاصيل الحياة اليومية، وأصبح كثير من البيوت يحمل عبئًا مزدوجًا: عبء الظروف المعيشية، وعبء الخوف المستمر من الغد. ومع ذلك، فإن المجتمعات لا تُقاس فقط بحجم ما تعرضت له من أزمات، بل بقدرتها على حماية جوهرها الإنساني أثناء الأزمات.
ومن هنا فإن الحديث عن السلام لا ينبغي أن يبقى محصورًا في الإطار السياسي وحده، رغم أهميته، بل يجب أن يشمل أيضًا الثقافة اليومية داخل البيوت. السلام يبدأ حين تتغير طريقة الحديث بين أفراد الأسرة، حين يُستبدل العنف اللفظي بالحوار، وحين يُربَّى الأبناء على أن الكرامة الإنسانية قيمة ثابتة لا تتغير باختلاف الانتماءات أو الآراء.
إن نور السلام موجود لأنه متصل بأعمق احتياجات الإنسان، لكنه يضعف حين تتراكم فوقه مشاعر الخوف والغضب واليأس. ولذلك فإن كل بيت ينجح في ترسيخ قدر من التفاهم والرحمة يسهم، ولو بصمت، في حماية المجتمع من مزيد من التشظي.
أما الحب، فهو بدوره أحد مصادر النور التي لا تنطفئ، وإن غطاها الحزن أحيانًا. والحزن الذي عرفته كثير من الأسر اليمنية خلال سنوات الحرب ليس أمرًا عابرًا؛ لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى حالة دائمة تُفقد الإنسان قدرته على الاستمرار. فالمجتمع الذي يعرف كيف يحول ألمه إلى وعي ومسؤولية، يمتلك فرصة حقيقية للشفاء.
وهنا يظهر البعد الروحي بوصفه عنصرًا أساسيًا في مقاومة الانكسار؛ لأن الروح لا تخضع لحساب الزمن كما يخضع الجسد، بل تستمر بما تختزنه من خبرة، وما تتلقاه من نعم، وما تمنحه من أثر للآخرين. الإنسان لا يقاس بعدد السنوات، بل بما يتركه من معنى، وبقدرته على العطاء، وبمقدار النور الذي يحمله في حضوره اليومي.
وعندما يتوقف الإنسان عن مطاردة الوقت بوصفه عبئًا دائمًا، ويبدأ في تقدير اللحظة بما تحمله من دعاء، وعمل، ولقاء، وحوار داخل البيت، فإنه يستعيد قدرته على العيش بعمق أكبر. لأن بناء المجتمع لا يتم فقط عبر المشاريع الكبرى، بل يبدأ أيضًا من التفاصيل الصغيرة التي تُمارَس كل يوم داخل الأسرة.
إن اليمن اليوم بحاجة إلى استعادة هذا النور في الوعي الجمعي، نور الحقيقة التي تتحرر من التعصب، ونور الأسرة التي تصنع التوازن، ونور الروح التي ترفض الاستسلام لليأس. فحين تبقى الأسرة حاملة للقيم، يصبح المجتمع أكثر قدرة على تجاوز المحنة، ويصبح المستقبل أكثر قابلية لأن يُبنى على أسس ثابتة.
ولهذا يبقى الرهان الحقيقي على الإنسان؛ لأن النور لا يشيب ما دام في القلب متسع للحقيقة، وفي الأسرة مساحة للحوار، وفي المجتمع إرادة صادقة لصناعة السلام.
ودمتم سالمين .