طـرد غاصـب
الثلاثاء - 28 أبريل 2026 - 09:49 ص
صوت العاصمة/ كتب/ ريــم وليــد:
في موقفِ السياراتِ، تصطفُّ الحديثة والقديمة تحتَ الشمسِ، فتصنعُ لوحةً صامتةً، كلما مررتُ بها، تأملتُ هذا الفنَّ المتناقضَ الذي يعكسُ حقيقتها، بعضُها يتقدّمُ بثباتٍ، وبعضُها يتعثّرُ بثمنٍ.
ببطء، ترجَّلتُ من سيّارتي، التي مَلَأَتها حرارةُ الشَّمسِ بِغُبارٍ ساخنٍ، احتُجِزَ داخلَها، فانتشرتْ رائحتهُ الجافةُ مع كلِّ حركةٍ، فلَفَتَ انتباهي أثرُ عبارةٍ ناقصةٍ على الغُبارِ الذي غَطّى الزُّجاج الخلفيَّ للسيّارة التي أمامي؛ بدأتْ بكلمة: «أَعزوني بـ...».
تأمّلتُها لِثوانٍ، ولوهلةٍ خُيِّلَ إليَّ أنَّها تخاطبُ كلَّ من يقرؤها، لكنّني أَدرتُ ظهري، كمن يتجاهلُ نداءً خفيًّا، ومضيتُ نحو مَقصدي، بينما ظلّت ابتسامةُ ذلك الشحّاذِ تحفِرُ في ذهني؛ ابتسامةٌ ساخرةٌ، مُثقَلةٌ باليأْسِ واللّامبالاةِ، كافيةٌ لرفضِ أيّ صدقةٍ.
شرعتُ في إنجازِ مهامّ ذلك النهارِ الحافلِ بالتفاصيلِ والحكايا. وفي غمرةِ عملٍ امتدّ ثلاثَ ساعاتٍ متواصلةٍ بلا توقّف، باغتني شعورٌ شديدٌ بالجوعِ والعطش. وحين سنحتْ لي فجوةٌ قصيرةٌ في خضمّ نهاري المُنهِك، اغتنمتُها للذهابِ إلى المولِ القريب، ذاك الذي يقطعه عن المحكمة تقاطعُ شارعين، لا يكفيانِ للفصل بين اللهوِ والمصيرِ.
هناك، وعلى مشارفِ البوابة الشديدة الحرس، شدّني صخبٌ بين حارسين، كان أحدُهما ينهالُ على الآخر قائلًا:
أحذّرك للمرة الأخيرة يا رياض، اجعله يذهب من هنا، لا تورّطنا معه.
بدتْ ملامحهما مُشدودةً، ونظراتُهما تتنقّلُ بينهما وبين أطرافِ الطريقِ. كأنَّ الأمر أكبرُ من مجردِ خلاف عمل. لم أتبيّنْ المقصودَ، لكنَّ توتّرَ الموقفِ ألقى بظلالهِ على خطواتي، فأبطأتُ دون وعيٍ، وحين مررتُ بالبوابةِ، كانَ الشحّاذُ ما يزالُ قابِعًا في المكانِ نفسه الذي رأيتُهُ فيه صباحًا، مرخيًا رأسَهُ على السورِ كمن يستندُ إلى ملاذِهِ الأخير. يتمتمُ بكلماتٍ لم أستطعْ تمييزها تحت وطأةِ ضوضاءِ ذلك الوقتِ.
ابتعدتُ عنه، يسحبني التفكيرُ في المهمةِ الأخيرة التي تنتظرني، حتى وجدتُني أقفُ منهكةً وسطَ صالةِ المولِ المفعمةِ بروائحِ الطعامِ التي تجتاحُ المكانَ، وتعجُّ بأصواتِ الطهي ودمدمةِ الناسِ، فتهاوى جسدي على الكرسي، وأسندتُ مؤخر رأسي إليه، ذلك الرأسُ الذي يدفعُهُ كلُّ ما حوله إلى التفكيرِ.
اعتدلتُ، وفتحتُ حاسوبي، وتمعنتُ مباشرةً في سيدةٍ وطفلها، مستندين قليلاً إلى المنضدةِ المقابلةِ، مكسوَّيْن بطفحِ الحرارةِ، الذي بدا واضحًا على الطفلِ خاصةً. كان النومُ يغالبُ جفنيهما تحت برودةِ التكييفِ وهدوءِ الاسترخاءِ، في انتظارِ أن يمضيَ الوقتُ بعد مشروبِ الليم، الذي ربما لم يطلبا سواه منذ وصولهما؛ وقد لاحظتُ ذلك من خلال جفافِ الكأسينِ تمامًا.
"أيُّ حالٍ وصلت عدن! 💔”
نشرتُ تلك العبارةَ على صفحتي في "فيسبوك"، ثم بدأتُ أتناول طعامي ببطءٍ، دون رغبةٍ، وقد اعتصرَ الغثيانُ جوفي كقبضةٍ باردةٍ.
عدتُ بعدها أُقلّبُ التعليقاتِ التي تدفقت كالموجِ المتلاطمِ، وكأن رياحًا غاضبةً دفعتها من أعماقِ القهرِ:
"الصراع من أجل البقاء"، "عدن مسرح للألم والخذلان"، "الناس عايشة عناد"، "أم المساكين صارت، القوي يأكل الضعيف"،" الدموع هي لغة هذا الشعب المسحوق"، "حقوقنا مغتصبة، والآه لم تعد تكفي"، "لنا الله "، "عدن صرخة مكتومة " "حياة مسلوبة وأحلام مدفونة".
أنطفأَ الجهازُ قبلَ أن أتمكنَ من قراءة جميع التعليقاتِ، لكنَّ كلَّ تعليقٍ قرأته كان يحملُ في طياتهِ جرحًا... جرحًا أحدثهُ التقاءُ ظاهر القانونِ بباطنِ العدالةِ؛ حيثُ لا تكفي الأوراقُ، ولا تشفعُ الشهاداتُ، حينَ يغيبُ الضميرُ، وتُساقُ الحياةُ تحتَ نصٍّ لم يُولدْ لأجلها.
أعددتُ نفسي للمغادرة، ورمقتُ صحنَ البطاط المغمورَ بالجبن، ونصفَ شطيرة الزنجرِ الذي لم أكمله. كان الطعامُ لا يُتركُ ولا يُرمى، فرفعتُ يدي على عجلٍ، ولوّحتُ للمُباشر الذي أقبل مسرعًا بمرونةٍ معتادةٍ، فطلبتُ منه أن يلفه لآخذه معي. هزّ رأسه دون أن ينطقَ، وأخذَ الطبقَ بخفةٍ، كمن يؤدي طقسًا يوميًا معتادًا.
خرجتُ من المول كمن يغادرُ فقاعةً صاقعةً لحظةَ اصطدامِها بحرارةِ الشارع. وبينما كنتُ أقطع الطريقَ، فُتحتِ البوابةُ أمامي، وخرجت منها سيارةُ لاند كروزر سوداء لامعةٌ، بدت لي هي نفسها التي رأيتُ عليها العبارةَ الناقصةَ صباحًا، وكأنها تحمل صدى شعورٍ تجاهلته عند قراءتي الأولى لها.
في تلك الأثناءِ، كان الشحاذ ما يزال في مكانه، مرخيًا رأسه على السورِ، يتمتم بشفتيه، وكأنه جزءٌ ثابتٌ من المشهد ذاته.
اقتربتُ منه، ووضعتُ الطعام بقربه، لكنه نحّاه بيده وهو يردد بلهجةٍ حزينةٍ:
أعزوني بدارٍ غير الدارِ، أو أعيدوا إليّ داري.
أيُّ مرارةٍ كانتْ تخدشُ صوته؟
ومع ذلك، كان صوته أنقى من الغبار، وأوعى من كل الضجيج الذي مرّ بي ذلك اليوم.
توقفتُ للحظةٍ أحدّق في وجهه، في عينيه اللتين بدتا كأنّهما لم تعرفا النوم منذ زمن.
كانت نظراته تفصح عن انكسارٍ وفقدٍ ورجاءٍ.
أيُّ حزنٍ ثقيلٍ ألقاه منهكًا على سور المحكمة، كأنّما لم يبقَ له في الدنيا سواه؛ ولوهلةٍ خُيّل إليّ أنّه آخر معقلٍ له.
أتراه يرى فيه أكثر من جدار؟!
قطع شرودَ تفكيري وصولُ رسالة هاتفية من موكلتي:
استغفروا الله، اكتملت الشعبة وعُلّقت أرقام الجلسات، لكن أحد القضاة غادر فجأة للتو.
وبينما هممتُ بالذهاب لأخذ موعدِ جلستها القادمة ـ إن صحّ الأمر ـ دفعني حدسي للسؤال عن ذلك الشحاذ الفصيح، حين لمحتُ العسكريَّ رياض، وعيناه تترددان نحوه وهو يغلق بوابة المحكمة. لكنني ترددتُ لحظةً في سؤاله، غير متأكدةٍ من كونه الشخص المناسب، وما إن استدرت حتى ناداني:
"أيُّ خدماتٍ يا أستاذة؟"
قلت: "شكرًا لك".
وكان القلقُ بادٍ على وجهه، فأردفتُ:
بالمناسبة، لماذا يرفض الشحاذ الذي في الخارج أيَّ مساعدة؟ أم أنه معتوه؟
صمت رياض هنيهةً، ثم أزاح نظره عن الأرض، وأطلق تنهيدةً ثقيلةً قبل أن يُجيبني بنبرةٍ غمرها الألم:
هذا أستاذُنا جمال، معلمُ اللغة العربية، وحاصل على الماجستير. إنه ضحيةُ شيءٍ أكبرَ من الفقر أو الجنون، وما يطلبه ليس صدقةً ولا عونًا عابرًا. مطلبه أعظم.
قالها رياض وهو يخفضُ صوته كمن يخشى على الكلمة من الانكسار، ثم أتمّها:
العدالة !
.