دعوة إلى تثبيت الشرعية وإدارة المرحلة: ماذا أراد الرئيس أن يقول لشعب الجنوب؟
الإثنين - 04 مايو 2026 - 02:02 ص
صوت العاصمة/ بقلم / أبو قصي الأشرم
لم يكن خطاب عيدروس الزبيدي في الذكرى التاسعة لإعلان عدن مجرد استعادة لحدث تاريخي، بل جاء كوثيقة سياسية تعكس طبيعة المرحلة التي يمر بها الجنوب، بكل ما تحمله من تعقيد وتشابك داخلي وإقليمي.
منذ الجملة الأولى، يتضح أن الخطاب يتجاوز منطق الاحتفال، ليضع المناسبة في إطار مختلف: تجديد العهد وتحمل المسؤولية. وهذه إشارة ليست عابرة، بل تعكس إدراكًا بأن المشروع الجنوبي لم يعد في مرحلة الحشد العاطفي، بل دخل مرحلة اختبار القدرة على الثبات وإدارة التحديات.
أحد أبرز محاور الخطاب كان التأكيد على أن التفويض الشعبي لا يزال قائمًا، وهو طرح سياسي مهم يسعى إلى إعادة تثبيت مركز الشرعية في الداخل الجنوبي، بعيدًا عن أي مرجعيات تُفرض من الخارج. فحين يتم التأكيد على أن “الشرعية الحقيقية هي شرعية الشعب”، فإن ذلك لا يُقرأ كشعار، بل كمحاولة لإعادة تعريف من يملك القرار ومن يمنحه.
في المقابل، لم يغفل الخطاب عن التحدي الأخطر: الانقسام الداخلي. الدعوة إلى عدم الانجرار نحو صراعات جانبية، والتركيز على الوعي الوطني، تعكس خشية واضحة من استنزاف القضية من داخلها. وهنا يمكن قراءة الخطاب كتحذير مبكر من أن أخطر ما يواجه أي مشروع تحرري ليس خصومه فقط، بل التشظي الداخلي الذي يربك بوصلته.
وعلى مستوى الوسائل، حافظ الخطاب على توازن محسوب بين المقاومة السلمية والمسار السياسي، عبر التأكيد على الحوار كخيار استراتيجي وفق إعلان يناير 2026 والميثاق الوطني. هذا الطرح يمنح الخطاب بعدًا سياسيًا واقعيًا، إذ يبتعد عن التصعيد غير المحسوب، دون أن يتخلى عن الهدف النهائي المتمثل في تقرير المصير.
غير أن النقطة الأكثر وضوحًا وحسمًا كانت في تناول دور القوات الجنوبية، التي وُصفت بأنها صمام الأمان وخط أحمر. هذا التوصيف لا يحمل فقط بعدًا عسكريًا، بل سياسيًا بامتياز، إذ يربط بين أي تسوية مستقبلية وبين بقاء هذه القوة ودورها. بمعنى آخر، يضع الخطاب شرطًا غير معلن: لا حل دون الاعتراف بواقع القوة على الأرض.
في السياق الإقليمي والدولي، حاول الخطاب تقديم الجنوب كفاعل لا يمكن تجاهله، من خلال إبراز دوره في مكافحة الإرهاب وتأمين الممرات الدولية، وعلى رأسها باب المندب. هذه الرسائل ليست موجهة للداخل، بل للخارج، في محاولة لإعادة تقديم القضية الجنوبية ضمن معادلات الأمن الإقليمي والمصالح الدولية.
كما أن إدانة الهجمات الإيرانية والتأكيد على دعم استقرار دول الخليج تعكس تموضعًا سياسيًا واضحًا ضمن محور إقليمي معين، وهو ما يحمل دلالات تتجاوز الخطاب، لتصل إلى رسم ملامح التحالفات والاصطفافات في المرحلة القادمة
🪶
أبو قصي الأشرم
خائن في زمن التطبيل