وصية عدنية: لا تدفنوا المدينة وهي حيّة
الخميس - 07 مايو 2026 - 01:11 ص
صوت العاصمة/ كتب: الأستاذ وحيد أبو نوار الحوشبي
في عدن، لا نموت من الرصاص وحده.
نموت كل يوم حين نرى البحر يُباع بالمتر، والشارع يُؤجر بالساعة، والذاكرة تُمحى بممحاة منافق.
عدن التي علّمتنا أن نصلي للوطن قبل أن نصلي لله، صارت اليوم تطلب منا أن ندفنها بصمت. أن نكفن تاريخها بخرقة بالية ونمشي في جنازتها دون أن نبكي. يريدوننا أن نصدق أن عدن لم تكن يوماً عاصمة، ولا منارة، ولا ثغراً يبتسم للعالم.
يريدوننا أن ننسى أن في شوارعها مشت أقدام الثوار، وأن في مقاهيها وُلدت القصائد، وأن في مينائها رست سفن الحضارة قبل أن يعرفوا معنى الميناء. يريدون أن يقنعوا أطفالنا أن كريتر مجرد حي، وأن المعلا مجرد خط إسفلت، وأن التواهي مجرد رصيف قديم.
لكننا قوم لا نجيد الصمت. نحن أبناء المدينة التي تصرخ حتى وهي نائمة. نحن الذين ورثنا من البحر عناده، ومن الجبل كبرياءه، ومن الشمس قسوتها على الظلام.
جاءوا إلينا باسم الوحدة، فأخذوا الدولة. جاءوا باسم الأخوة، فأخذوا المؤسسة. جاءوا باسم الاستثمار، فأخذوا الأرض. واليوم جاؤوا باسم التنمية، ليأخذوا ما تبقى من الروح.
يسرقون المصافي ويحدثوننا عن النفط. يدمرون المصنع ويبشروننا بالوظائف. يغلقون الميناء ويعدوننا بالتصدير. أي عبث هذا؟ أي وحدة هذه التي تبني قصورها من أنقاض بيوتنا؟
وصيتنا لكم، يا من بقي في قلبه ذرة من عدن:
لا تبيعوا ما تبقى منا.
احفظوا اسم شارع كان يمر منه أبوك. احفظوا حكاية جدة كانت ترويها لكم عند النوم. احفظوا رائحة البن في صباح الشيخ عثمان، وصوت الباعة في سوق الطويل. احفظوا وجوه الصيادين وهم عائدون عند الفجر.
فالأوطان لا تسقط حين تُحتل.
الأوطان تسقط حين ننسى أنها كانت لنا.
تسقط حين يصير أبناؤها غرباء في أزقتها.
تسقط حين تتحول ذاكرتها إلى تهمة، وهويتها إلى عار.
عدن ليست حجارة وشوارع. عدن حكاية. فإن ماتت الحكاية، ماتت المدينة، حتى لو بقيت حجارتها واقفة.
ونحن لن ندع الحكاية تموت.
سنكتبها على الجدران إن منعوا الكتب.
سنرويها لأطفالنا إن غيروا المناهج.
سنغنيها في ليالينا إن أسكتوا المآذن.
لأننا ببساطة… أبناء عدن.
والابن لا يدفن أمه وهي حيّة.
كتب: الأستاذ وحيد أبو نوار الحوشبي