مداد العاصمة



إنزال أعلام الجنوب من ساحة العروض: إثبات ولاء للوحدة أم تنفيذ أوامر وصاية؟

الأربعاء - 06 مايو 2026 - 12:17 ص

إنزال أعلام الجنوب من ساحة العروض: إثبات ولاء للوحدة أم تنفيذ أوامر وصاية؟

صوت العاصمة/ بقلم د. أمين العلياني



لا تكتب الأوطانُ أمجادَها بالحبر وحده، بل بدم القلوب، ووهج الجباه الساجدة تحت فيض الشمس. يوم أمس، الرابع من مايو، لم تكن عدن فيه تُنشد أغنيةً عاطفية في سِفْر الحنين للماضي، بل كانت تَكتبُ فصلًا جديدًا من سِفْر البقاء، بلغةٍ لا تُخطئها عينُ التاريخ ولا يُنكر صِدقَها إلا مَن في قلبه مرضٌ أو في بصيرته غشاوة. وفي تلك المليونية الهائلة، التي نزلت إرادة الشعب فيها وكأنها الجبلُ الأشمُّ يتحرك بكبرياء، فصارت لوحةً من الصمود والالتحام، عصيّةً على الوصف، يتلاشى أمام جلالها كلُّ حرف، وينحني إجلالًا لهيبتها كلُّ بيان.

لم تكن تلك الجموع المليونية الملتحمة مجرد حشود بشرية، بل كانت روحَ الجنوبِ تفيضُ على الميادين، تعلنُ للقاصي والداني أن المجلس الانتقالي الجنوبي ليس حزبًا يُقايض أو نخبةً تتصارع على الفتات تحت سِنيّ الأيديولوجيات، بل هو حاملٌ سياسيٌ لشرعية شعبية لا تُداهمها الشكوك، ورئيسه، الرئيس عيدروس الزُبيدي، ليس مجرد قائد في صورة، بل رمزٌ وطني استمد وهجه من تَفْويضٍ شعبي طاهر، وأُوكِلَت إليه أمانةٌ نضاليةٌ صلبة، أساسُها الميثاق الوطني الجنوبي مرجعيةً لا تحيد، والإعلان الدستوري خارطةَ طريقٍ لا تُضِل، وغايتها الكبرى استعادة دولة الجنوب المستقلة كاملة السيادة، دولةٌ لا تساوم على ذرةٍ من ترابها ولا تفرط في شبرٍ من كرامتها.

خرج الطفلُ الذي لم يبلغ الحلم، يلوّح بيدٍ صغيرة تَحمِلُ رايةً أكبرَ من عمره، وهرولت المرأةُ التي أرهقها الثَكلى، لتَغرسَ بقدميها في الأرض يقينًا بأن دماء فلذات أكبادها لم تذهب هباءً، ووقف المسنُ الذي حفر الزمنُ أخاديده على وجهه، ليقول للعالم: إن حُلُمَ العودة ليس وهمًا، بل قدرٌ ينسجُه الصابرون، أولئك الذين رووا ثرى الجنوب بدمائهم الزكية، لم يوصوا بالصمت، بل أقسموا أن يحيا الأحفادُ بعزةٍ على أرضٍ عطّرها الشهداء. وكان هذا هو جوهر التفويض المتجدد، وهذه هي الرسالة التي قُطعت أوصال الحقيقة لأجلها، رسالةٌ لا لبس فيها ولا يحتمل تأويلها غير أهل النفاق السياسي.

ولكن، حين عادت الحشود المليونية إلى أوكارها، وسكنت الجموعُ بعد أن زلزلت الأرض بالحق، حدث ما يَليقُ بالظِلال المرتعشة لا بأصحاب القرار. في جُنح الظلام، أو ما يشبهه، تحركت أيادٍ لا تعرف من الانتماء للجنوب إلا شعاراتِه، ومن الوطنية إلا صِدامَها، لتمتد إلى ما هو أقدس من مجرد قماش؛ لتمتد إلى أعلام الجنوب في ساحة العروض فتُنزِلها بعُنفٍ مريب، وكأنها تُريد أن تمحو من ذاكرة المكان وشمًا لا يُمحى. إنه مشهدٌ يختزل كل التناقضات: منصةٌ شُيّدت للفرح فداستها أقدامُ النكران، وراياتٌ خفقت بالمجد فحاولوا إنزالها بحبل الخنوع.

وهنا يقف المواطن الجنوبي المؤمن بالمشروع الجنوبي التحرري أمام السؤال الوجودي المُحرِج، الذي يلسع وجدان كل جنوبي غيور: لماذا هذا الاعتداء الرمزي على راية الهوية والإرادة؟ هل أصبح إثباتُ الولاء للوحدة، التي تصدّعت جدرانها، يتطلب هذا العبث الطفولي بالرمز الوطني لجنوبٍ يُشارك في السلطة نظريًّا لا فعليًّا؟ هل هو حرصٌ مرضيّ على "شراكة" هشّة، يجترحون فيها هذه الحماقات ليُرضوا قوى الشمال التي لا يُرضيها إلا محو الآخر؟ أم أن الأمر أعمق من ذلك، وأكثر دناءة، حيث يتحول المسؤول والقائد الذي أمر والجندي الذي نفذ إلى مجرد آلةٍ لتنفيذ أوامر وصايةٍ لا تريد لمواقِعهم أن تهتز، ولا لكراسيهم أن تتزحزح عن واجهةٍ لم يعودوا يُجيدون سوى التمسّك بخشبها ولو على حساب كرامة شعبهم؟

إن إخراج هذا الفعل في ثوب "الحرص على سلطة" هو عين العبث. فأولئك الذين يحرصون على مواقعهم حرص البخيل على الدينار، ما كان لهم أن يجابهوا إرادة الملايين بهذه الصورة السقوط، لولا أن خياراتهم باتت مرهونةً لوصايةٍ تُدير الملف وتُحرّك الخيوط، وتعدُّ أي تعبير عن الهوية الجنوبية خروجًا عن النص المرسوم. وهم بذلك لا يثبتون ولاءً لوحدةٍ ماتت سريريًّا، بل ينفذون أوامر الوصاية التي ترى في رفع راية الجنوب نهايةً لنفوذها، وفضحًا لسياساتها. ومن هنا انطلى عليهم الوهم، وظنوا أن إنزال العلم من ساحة العرض سيُسكت النبض في قلوب الملايين، مع أن الحقيقة التي جسدها الشعب أمسِ أن العلم أصبح مرفوعًا في سويداء كل قلب، لا في ساحة للاحتفال.

ولهذا يقول الثائر الجنوبي بلسان الشعب الصابر المُحتسب: إن هذه الإرادة العارمة أقوى من سطوة السلاح وأبقى من زبد النفاق على سلطة، وإن ما حدث أمس في الرابع من مايو كان حُجةً دامغة، وإن الاعتداء على العلم ليس سوى اعتراف ضمني بهزيمة من أمر ونفذ أمام إرادة الشعب الذي خرج وجسدها بقلبه قبل فعله في الساحة. ثقوا بأن الراية التي حاول المريبون دسّها في التراب، ستُلفّع أكفان مشاريعهم البالية، وستبقى عاصيةً على الانكسار، لأن السماء اختارتها لواءً للنصر، ولأن من رفعها بالأمس هم من يصنعون فجرها الوضاء بالقول والفعل.



الأكثر زيارة


الذكرى الحادية عشرة.. علي ناصر هادي سيرة قائد وملحمة وطن.

الثلاثاء/05/مايو/2026 - 01:43 ص

تمرّ علينا اليوم الذكرى الحادية عشرة لاستشهاد الوالد القائد والمعلم، اللواء الركن علي ناصر هادي، الذي لم يكن مجرد قائد عسكري، بل كان روح المقاومة في ع


هطول أمطار رعدية على هذه المحافظات خلال الساعات القادمة!.

الثلاثاء/05/مايو/2026 - 03:54 م

توقع المركز الوطني للأرصاد والإنذار المبكر استمرار هطول الأمطار الرعدية والمتفاوتة والمتفرقة على أجزاء من عدة محافظات خلال الـ 24 ساعة المقبلة. وقال ا


الصورة التي زلزلت كيان الاحتلال.

الثلاثاء/05/مايو/2026 - 09:08 م

كتب : د. يحيى شايف ناشر الشعيبي حين تتحول الصورة إلى جبهة حرب ، وتصبح السارية ميدانا لزحف العساكر ، فإننا لا نقف أمام حدث عسكري عابر، بل نصبح أمام تجل


المكلا تجدد العهد: حشود جماهيرية غفيرة تحيي ذكرى "إعلان عدن .

الثلاثاء/05/مايو/2026 - 05:24 م

انطلقت قبل قليل في مدينة المكلا بمحافظة حضرموت، فعالية جماهيرية حاشدة إحياءً للذكرى التاسعة لتفويض شعب الجنوب للرئيس القائد عيدروس الزُبيدي وإعلان عدن