دول الخليج تخشى أن تستغل إيـ.ـران، التي ازدادت جرأتها، تردّد الولايات المتحدة
الخميس - 07 مايو 2026 - 02:11 ص
صوت العاصمة/ وول ستريت جورنال
اختار الرئيس ترامب غضّ الطرف بعدما أطلقت إيران ثلاث دفعات من الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه دولة الإمارات العربية المتحدة، أحد أبرز شركاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، رغم اتفاق وقف إطلاق النار الذي كان قد تفاوض عليه قبل نحو شهر.
وتخشى حكومات الخليج من أن تستنتج طهران أن مزيدًا من التصعيد يؤتي ثماره، لأن ترامب حريص للغاية على إخراج نفسه من الحرب إلى درجة تجعله يتجاهل الهجمات الإيرانية المتجددة على حلفاء الولايات المتحدة الإقليميين.
كما تراقب الدول الأوروبية والآسيوية، سواء الحليفة أو المنافسة استراتيجيًا، هذه التطورات عن كثب.
وكرّر القادة الإيرانيون مرارًا منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير، عبارة تُنسب إلى الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك مفادها أن "من يلتفّ بأمريكا يبقى عاريًا"، ويقول دبلوماسيون ومحللون إن الشعور السائد في الإمارات وبقية الملكيات الخليجية، بعد استئناف طهران الضربات الصاروخية والمسيّرة يوم الاثنين، هو أن مبارك ربما كان محقًا في ذلك.
وضربت إيران ميناء الفجيرة، وهو ميناء تصدير النفط الوحيد العامل في الإمارات، ما تسبب في اندلاع حريق وإصابة ثلاثة أشخاص، كما أطلقت صواريخ باليستية ومجنحة على أهداف إماراتية أخرى، وبالمجمل، شملت الهجمات 15 صاروخًا وأربع طائرات مسيّرة، ووصف ترامب الهجوم بأنه محدود، رغم أنه عطّل الرحلات الجوية ودفع الحكومة الإماراتية إلى إغلاق المدارس لبقية الأسبوع.
وقال وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث يوم الثلاثاء إنه "فيما يخص واشنطن، فإن وقف إطلاق النار لا يزال قائمًا بالتأكيد".
وبعد ساعات قليلة، شنّت إيران هجومًا آخر، وفقًا لوزارة الدفاع الإماراتية.
وقال مهدي غلام، الباحث في مركز «أو آر إف الشرق الأوسط» في دبي: "يبدو أن إيران مستعدة لانهيار وقف إطلاق النار، بينما الولايات المتحدة ليست كذلك، ولذلك فإن وقف إطلاق النار أصبح أحادي الجانب في هذه المرحلة".
وتقول دانيا ظافر، مديرة مركز "منتدى الخليج الدولي" البحثي، إن الإمارات، التي تعرضت منذ فبراير إلى 2838 صاروخًا وطائرة مسيّرة، ودول الخليج الأخرى أصبحت في مرمى النيران بسبب قرار الولايات المتحدة وإسرائيل مهاجمة إيران.
وأضافت: "من وجهة نظر دول الخليج، يبدو أن الولايات المتحدة لا تعطي الأولوية لأمنها، وكأنها تخلّت عن دول الخليج"، وتابعت: "إذا لم تردّ الولايات المتحدة، فإن الإيرانيين سيستنتجون أن واشنطن لا تريد العودة إلى الحرب، وهذا يؤثر في قوة الردع".
ومع استمرار تعثر المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، لا يبدو واضحًا أن ضبط النفس الذي يبديه ترامب سيستمر، بحسب جيسون غرينبلات، الذي شغل منصب مبعوث البيت الأبيض إلى الشرق الأوسط خلال إدارة ترامب الأولى.
وقال غرينبلات: "تُظهر الهجمات الإيرانية أنهم يختبرون الحدود. والسؤال هو إلى أي مدى سيدفعون الأمور قبل أن يتسببوا في رد أمريكي".
وأضاف: "إنها لعبة خطيرة مع رئيس لديه توقعات واضحة ويحرص على فرضها".
ويخشى حلفاء واشنطن في أوروبا وآسيا من أن ترامب، كما حدث مع الإمارات، قد يختار أيضًا تجاهل هجمات قد تتعرض لها أراضيهم من روسيا أو الصين أو كوريا الشمالية إذا كان ذلك يخدم حساباته.
ويثير هذا النهج على المدى الطويل، تساؤلات بشأن ما إذا كانت القواعد الأمريكية المنتشرة حول العالم تمثل أصلًا أمنيًا للدول المضيفة ام عبئا عليها.
وقال المارشال الجوي المتقاعد إدوارد سترينغر، الرئيس السابق للعمليات في وزارة الدفاع البريطانية: "إذا كنتم تعتقدون أنكم تشترون الولاء الأمريكي، فستظنون الآن أن كل ما تفعله القاعدة الأمريكية هو جعلكم هدفًا، بينما من المرجح بالقدر نفسه أن تتخلى عنكم الولايات المتحدة عند أول منعطف".
وتبدو إيران واثقة من أن الوقت يعمل لصالحها مع استمرار الحصار على مضيق هرمز، وأنه كلما مارست مزيدًا من الضغط على إدارة ترامب حصلت على تنازلات أكبر.
وقال محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين، عبر منصة «إكس»: "نحن نعلم جيدًا أن استمرار الوضع الراهن غير قابل للتحمل بالنسبة لأمريكا، بينما نحن لم نبدأ بعد".
وترى إيلي جيرانمايه، الخبيرة في الشأن الإيراني لدى المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، أن القادة الإيرانيين الأصغر سنًا والأكثر تشددًا داخل الحرس الثوري الإسلامي توصلوا إلى أن النهج الحذر الذي اتبعه أسلافهم، مثل الضربات المحدودة على القواعد الأمريكية ردًا على القصف الأمريكي والإسرائيلي العام الماضي، كان نهجًا خاطئًا.
وأضافت أن هؤلاء القادة، بعدما واجهوا خيار الاستمرار في تحمل الحصار البحري الأمريكي أو التصعيد، اختاروا التصعيد، لكن من دون الانزلاق حتى الآن إلى حرب شاملة.
وقالت جيرانمايه: "لقد تغيّرت قواعد اللعبة، وانتهى زمن الصبر الاستراتيجي، ولم تعد طهران تقيّد نفسها فيما يتعلق بتوجيه الضربة الأولى".
وأضافت: "ربما نعيش الآن مرحلة تجريبية تحاول فيها إيران معرفة إلى أي مدى يمكن لدورة التصعيد هذه أن ترسم خطوطها الحمراء الخاصة، وأن تحدد سقف ما يمكن أن يذهب إليه ترامب".
وبالطبع، فإن الإمارات ليست مجرد مراقب سلبي يتلقى الضربات، فالدولة تمتلك سلاحًا جويًا قويًا قادرًا على تنفيذ ضربات عميقة داخل إيران، وقد أكدت أنها تحتفظ بحق الرد على "العدوان الإيراني غير المبرر".
ومع ذلك، قال دبلوماسيون إن من غير المرجح أن تتحرك الإمارات عسكريًا ضد إيران من دون دعم أمريكي، على الأقل في المستقبل القريب.
وقال محمد بهارون، مدير مركز «بحوث دبي» للسياسات العامة: "هناك حسابات استراتيجية تتعلق بما يمكن تحقيقه من أي تحرك. فالرد لمجرد الرد هو رد فعل عاطفي، والإمارات لا تعمل بهذه الطريقة".
ويرى مهران هاغيريان، مدير الأبحاث في مؤسسة «بورصة وبازار» البحثية، أن إيران ركزت غضبها على الإمارات بسبب تنامي تعاونها مع إسرائيل، وأيضًا لأنها تحاول استغلال الخلاف بين الإمارات والسعودية بشأن الحربين في اليمن والسودان.
وقال: "تنظر طهران إلى التحالف الإماراتي الإسرائيلي باعتباره العامل الأساسي، والسبب الوحيد الذي جعل الإمارات الدولة الوحيدة المستهدفة من بين دول مجلس التعاون الخليجي الست"، في إشارة إلى مجلس التعاون الخليجي.
ويرى حمد الثنيان، أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت، أن التهديد الاستراتيجي الإيراني، إلى جانب المخاوف من النوايا الأمريكية، من المرجح أن يطغى على التنافسات التقليدية داخل الخليج خلال المستقبل المنظور.
وقال: "تمثل التحركات الإيرانية اختبارًا لوقف إطلاق النار، ولوحدة مجلس التعاون الخليجي، ولجدية الموقف الأمريكي".
وأضاف: "لكن التساهل مع السلوك الذي تحاول إيران تحويله إلى أمر طبيعي ليس شيئًا يمكن لدول الخليج أن تقبله".