عقيدة الأرض: عندما يصبح الواجب طيشا في فلسفة العبيد
الأربعاء - 13 مايو 2026 - 12:35 ص
صوت العاصمة/ بقلم / حافظ الشجيفي
ما اضل القوم حين توهموا ان الحقوق تجزأ او ان الحرية تقبل المساومة او ان تراب الوطن يمكن ان يقسم بين السيادة والتبعية وما كان الدفاع عن الديار يوما بابا من ابواب الخطأ الا في اعين الذين ركنوا الى الذل واستمرأوا العيش في ظلال الهوان العابث بكرامة الامم والشعوب حيث يقف المرء اليوم مذهولا من منطق يقلب الحقائق ويجعل من الواجب رذيلة ومن النضال طيشا ومن تحرير الارض خطيئة تستوجب اللوم بينما يظل الصمت إزاء انتهاك السيادة وقمع الارادة الشعبية عملا يتستر خلف عباءة العقلانية والحكمة المزعومة فما اقدم عليه عيدروس الزبيدي في ديسمبر الماضي حين وجه القوات الجنوبية نحو حضرموت والمهرة لتحريرها لم يكن الا استقامة في الفكر وصدقا في التنفيذ ووفاء للعهد الذي قطعه الاحرار على انفسهم منذ ان انطلقت شرارة المقاومة الجنوبية في عام الفين وسبعة وما تلاها من تضحيات جسام في عام الفين وخمسة عشر حين سالت الدماء طاهرة لتروي ثرى الجنوب دفاعا عن الوجود والهوية لا عن مذاهب السياسة او صراعات الايديولوجيات المتغيرة.
حيث واجه الجنوبيون الحوثي لا لخصومة في العقيدة وحدها بل لكونه وجها من وجوه الاحتلال اليمني الذي يسعى لابتلاع الارض واستعباد الانسان الجنوبي تحت مسميات شتى لا تختلف في جوهرها سواء لبست ثوب الاصلاح او المؤتمر او الحوثية فكلها في ميزان الحق الجنوبي عدو واحد وهدف واحد وخطر واحد يتهدد الجنوب. فكيف يستقيم في عقل عاقل ان يكون تحرير حضرموت والمهرة خطأ والجنوب كله يغلي في مرجل الثورة والمقاومة والبحث عن الاستقلال الضائع في سراديب التآمر الدولي والاقليمي. فالمقاومة في جوهرها فعل ايمان يتجاوز حسابات الربح والخسارة المادية ومن يمتلك السلاح الكافي للذود عن حياضه فقد وجب عليه شرعا وعرفا ووطنية ان يضرب بيد من حديد لاستعادة ما اغتصب منه والمجلس الانتقالي لم ينشأ الا ليكون الاداة الضاربة واللسان المعبر عن هذه الارادة الصلبة التي لا تلين امام غطرسة القوة او مكائد السياسة.
والحق الذي لا مراء فيه ان الخطأ الجسيم والجرح الغائر لم يكن في تحرك القوات الجنوبية بل في ذلك الفعل المستهجن الذي اقدمت عليه السعودية حين وجهت نيرانها لقصف القوات التي كانت تطهر ارضها من بقايا التواجد اليمني الجاثم على صدر حضرموت والمهرة في اعتداء سافر يصادم كل القوانين الدولية والاعراف الانسانية ويضرب عرض الحائط بارادة شعب يقرر مصيره بدمه. غير ان الالم الاكبر والمصيبة العظمى تكمن في اولئك النفر من بني جلدتنا الذين ارتضوا لانفسهم دور التابع الذليل فراحوا يكيلون الاتهامات للمجلس الانتقالي ويحملونه مسؤولية ما حدث ويصفون فعل التحرير بالطيش والتهور في سقوط اخلاقي ووطني مريع يجعل منهم شركاء في الجريمة وخصوما لقضيتهم قبل ان يكونوا خصوما لعدوهم. فهؤلاء الذين يلومون المجلس وهو يؤدي واجبه المقدس في تحرير وطنه ليسوا سوى خونة للارض والتاريخ والشهداء ولا ينبغي للجنوب ان يتسامح مع هذه العقليات التبعية التي تبرر للمعتدي فعله وتجرم الضحية على صرختها في وجه الجلاد بل الواجب يحتم محاكمتهم محاكمة تاريخية ووطنية عادلة تضع النقاط على الحروف.
وحتى لو سلمنا جدلا وتنزلا مع منطق العاجزين بان المجلس قد تسرع او اخطأ في حسابات اللحظة فان الواجب الوطني الصرف يفرض على كل جنوبي حر ان يقف في صف اخيه ويحميه ويناصره ويذود عنه في لحظة الشدة لا ان ينقلب عليه ظهيرا للمعتدي ومبررا للقصف والدمار فالارتماء في حضن الخارج ضد ابناء الوطن الواحد هو اقصى درجات الانحطاط التي يمكن ان يصل اليها الانسان وقبول تحميل المسؤولية للمجلس الانتقالي في مواجهة فعل عدواني خارجي هو تجرد كامل من الوطنية وانخراط صريح في معسكر التبعية الوضيعة والتاريخ لا يرحم والمواقف تسجل في دفاتر من نور او في مزابل من سواد والحرية لا تستجدى من عواصم القرار بل تنتزع انتزاعا من فوهات البنادق ومن ارادة لا تعرف الانكسار ومن يرى في الدفاع عن ارضه خطيئة فقد حكم على نفسه بالموت وهو حي في ثياب العبيد. فالسيادة الجنوبية هي المبتدأ والخبر وهي الغاية التي لا تسقط بالتقادم ولا تنال منها ضربات الطائرات ولا نباح الذين باعوا ضمائرهم في اسواق النخاسة السياسية ...