بن لزرق.. صمت عن الفساد وصاح بالأسئلة
الأربعاء - 13 مايو 2026 - 11:23 م
صوت العاصمة/ كتب:هشام صويلح
لسنوات، أدار فتحي بن لزرق ورشة إعلامية من ضفة واحدة: الانتقالي علة كل بلاء، والجبايات أصل الداء، والخلاص في يدٍ تمتد لتنتزع الحق من مغتصب. لم يترك شاردة ولا واردة إلا ألصقها بعدوٍ واحد، صانعاً من الأزمة المعقدة حكاية بطل وشرير، يفهمها العامة وتلهب حماسة الغاضبين. ثم جاء اليوم الذي انفرط فيه العقد. تبدلت المواقع، وانكمش من كان يوصف بالمطلق، فإذا بصاحب اليقينيات الحديدية يعود إلينا حاملاً سلة أسئلة: أين الإيرادات؟ لماذا لم يتراجع سعر الوقود؟ لماذا لم يلمس الناس أثراً لزوال الجبايات؟
المشهد لا يخلو من سخرية سوداء. الرجل الذي قضى سنوات يوزع الإجابات الجاهزة كأنها وحي، يقف اليوم في منصة المستفهم، وكأن شيئاً لم يكن. الأسئلة، لو صدرت عن غيره، لكانت تحقيقاً صحفياً. أما وهي تصدر عنه، فهي اعتراف غير مباشر بأن كل ما بناه كان قصراً من وهم وخداع. الرسوم التي وصفها بمئات الملايين المنهوبة، قال للناس إنها العائق الوحيد بينهم وبين سعر وقود معقول. أُزيلت، والسعر لم يهبط. فإما أن تحليله كان كذبة متعمدة، وإما أنه كان يجهل ما يتحدث عنه. وفي الحالتين، سقطت أهليته.
المأساة لا تتوقف عند الوقود. الجبايات بشّر الناس بأن زوالها سيُشعرهم فوراً بفرق في أسعار البضائع. مرت الأشهر، والبضائع لم تتراجع، والتضخم واصل نهش ما تبقى من جيوب المواطنين. وهنا لا يسأل المرء عن الحكومة وحدها، بل يسأل صاحبنا: أين وعودك؟ أم أن الجبايات كانت مجرد شماعة علقت عليها فشل أطراف أخرى كنت تحميها بصمتك؟
وهنا يخرج الصمت من قمقمه ليكون الفضيحة الكبرى. الرجل الذي جعل من الانتقالي غولاً يلتهم كل الإيرادات، ابتلع لسانه تماماً أمام محافظات مارب وحضرموت والمهرة وتعز، التي لا تورد ريالاً واحداً للبنك المركزي في عدن. لم نسمع له صرخة، لم نقرأ له سطراً، لم نرَ منه حملة. والأدهى أنه هو نفسه، في يوليو 2025، كشف عن 147 مؤسسة إيرادية حكومية لا تورد أي شيء للخزينة، بل تذهب مداخيلها إلى جيوب متنفذين في معسكره. يعرف السرقة، ويحدد أماكنها، ثم يختار الصمت. أي صحافة هذه التي ترى الخلل وتدير له ظهرها؟ بل أي نزاهة هذه التي تغض الطرف عن اللص القريب لتصرخ في وجه الخصم البعيد؟
ثم يأتي رقم الثلاثين ملياراً، الذي ظل يردده كالمسبحة: الانتقالي ينهب 30 مليار ريال شهرياً. مضى يناير، فمضى فبراير، فمارس، فأبريل، فمايو. خمسة أشهر، بمبلغ تراكمي يبلغ 150 مليار ريال، بحسب روايته هو. أين ذهبت هذه المبالغ؟ في خزائن من؟ ولماذا لم نشهد تدفقاً في الإيرادات يوازي زوال هذا "الناهب" المزعوم؟ البنك المركزي عاجز عن صرف الرواتب، والخدمات غارقة في انهيارها. فإما أن الرقم كان فقاعة إعلامية لتضخيم العدو، وإما أن ثمة من يستولي على هذه الأموال في صمت، ولا يريد الرجل أن يُري الناس وجهه.
لا يمكن قراءة هذه التحولات ببراءة. بن لزرق لا يصحح مساراً، بل يغير موقع قدمه. صمت حين كان الصوت يكلّف حلفاء، وصاح حين صار الصياح يخدم تموضعه الجديد. هذه ليست صحافة، هذه هندسة مواقف. أسئلته اليوم لا تبحث عن إجابة، بل تبحث عن مخرج من مأزق رجل قال كثيراً، وثبت أن كثيراً مما قاله لم يصمد أمام أول اختبار واقع. يريد أن يغسل يديه من سردية الأمس دون أن يعتذر، وأن يتبوأ موقع الناقد دون أن يحاسب.
من يطالب بالمحاسبة اليوم، عليه أن يبدأ بمحاسبة نفسه. بن لزرق لم يفعلها. لم نسمع منه كلمة واحدة يراجع فيها اختزاله المريض للأزمة، أو يعترف فيها بأنه ضلل الناس بوعود الحل السهل. وحتى يكون للأسئلة معنى، يجب أن يسبقها اعتراف. بدون هذا الاعتراف، تبقى أسئلته مجرد أداة في لعبة لا علاقة لها بالحقيقة. لا أحد يشتري الحقيقة ممن كان يبيع الوهم.