وصيّة الجنوب.. ميثاقُ الـ.ـدم والكرامة والحضارة
الخميس - 14 مايو 2026 - 12:58 ص
صوت العاصمة/ بقلم / عميد ركن/ فضل علي باعباد
سنُلقّن أبناءنا أن الجنوب ليس رقعةً من تراب، بل سِفرٌ مفتوحٌ في كتاب الحضارة، خُطَّ أولُ سطرٍ فيه قبل أن تعرف الأرض معنى الحدود. هو المهد الذي كان مدرسةً علّمت الدنيا كيف تُبنى السدود وتُشقّ القنوات ويُصاغ المجد من صخر. لذلك سنخبرهم أن الغدر الذي تعرّض له لم يكن طعنةً في جسد، بل محاولةً بائسةً لطمس ذاكرة أمّةٍ علّمت البشرية معنى الدولة والقانون قبل أن تولد الإمبراطوريات.
سنغرس فيهم أن التهميش كان محرقةً للكتب قبل الأجساد، أرادوا به أن ننسى أننا أبناء الموانئ التي عانقت حضارات الهند والسند، وأبناء القوافل التي حملت البخور فعطّرت معابد العالم. لكن الدم الذي سُفك على ترابه لم يكن ماءً، بل كان حبراً سرمدياً كتبنا به: أن الشعوب التي تصنع التاريخ لا تُمحى من دفاتره. فالقصف لم يزد جبالنا إلا شموخاً، لأنها جبالٌ رضعَت الصبر من حليب الملكات، والفتن لم تكن إلا غباراً على مرآة الحقيقة؛ لأن الأخوّة الحقّة لا تُبنى على أنقاض البيوت، بل على عدالةٍ تُوزن بميزان الحضارة، والمحبة لا تُزرع في تربةٍ سُقيت بالبارود، بل في قلوبٍ غسلها البحر العربي سبع مرات.
سنعلّمهم أن الكرامة عندنا ليست شعاراً نرفعه في المهرجانات، بل إرثٌ تربويٌّ توارثناه كابراً عن كابر، من وصايا الأمهات إلى حكايات الجدّات. هي التاج الذي لبسه الأجداد ولم ينزعوه ولو نُزعت الرؤوس، وهي السيف الذي لا يصدأ ولو غمدته دهور المصالح. الحق عندنا فلسفة حياة، نقيس بها الرجال كما تُقاس الأعمار بالإنجاز لا بالسنين. الشعوب ذاكرةٌ من نور ونار، لا تنسى من أشعل لها قنديل العلم في ليل الجهل، ولا من مدّ لها جسراً يوم انهارت الجسور، كما لا تنسى من أطفأ سراجها وولّى بوجهه يوم احتاجته.
سنربّيهم على أن المبادئ جبالٌ راسيات، جذورها ضاربةٌ في عمق حضرموت وشبوة وأبين ولحج وسقطرى والمهرة، وقممها تناطح جبال الضالع ويافع وردفان وشمسان وتعانق سحاب العزة. هي التضحية والشموخ، فلا تهزّها رياح الإغراء ولا تشتريها موائد السلاطين. الرجولة عندنا موقفٌ يقف على قدمين من ثبات، لا رصيدٌ ينام في بنوك الذل، ولا منصبٌ يُشترى ببيع الضمير. ضعاف النفوس وحدهم يرتادون أسواق النخاسة، يستبدلون تاريخاً من ذهب بفتاتٍ من تراب. أما نحن فنخبز كرامتنا على تنّور الكبرياء، ونأكل خبزنا بعرق الجبين، ونرفع رؤوسنا ولو لامست السيوف رقابنا؛ لأننا تعلمنا من التاريخ أن السقوط الحقيقي ليس سقوط الجسد، بل سقوط المبدأ.
فصباحُ العزّة للثابتين الذين صاروا أوتاداً لهذه الأرض، يشدّون خيمتها إذا عصفت بها رياح الخيانة. وصباحُ الجنوب الذي يسكن القلوب مسكن الروح في الجسد، فكرةٌ حضاريةٌ متجددة، لا تشيخ ولا تموت. لا تهزّه عواصف الطامعين، ولا تغريه مواسم البيع؛ لأنه ليس حزباً ولا مرحلة، بل هويّةٌ كتبها القدر، فإذا استوطنت دماً، صار صاحبها وطناً يمشي على قدمين، ورسالةً تمشي بين الأمم شاهدةً أن الحق لا يموت، وأن الشعوب الحية تُبعث من رمادها كلما ظنّ الجلادون أنها انتهت.