بين بوابة الرياض.. وسقوط الأقنعة السياسية
الإثنين - 18 مايو 2026 - 11:22 م
صوت العاصمة/ كتب / د. عامر الحريري
ليس أخطر على القضايا الوطنية من أولئك الذين يعودون من عواصم القرار وهم يحملون خطابات المديح أكثر مما يحملون كرامة الموقف الوطني. فحين يتحول السياسي من ممثل لقضية شعب إلى شاهد تزكية على مشاريع الآخرين، تصبح الكلمات مهما تجملت اعترافاً سياسياً لا يمكن إخفاء دلالاته.
الحديث عن “حوار جنوبي” ترعاه الرياض، بينما يُطالب في الوقت ذاته بحل المجلس الانتقالي الجنوبي، يكشف تناقضاً فاضحاً لا يحتاج إلى كثير من الشرح. إذ كيف يكون الحوار جنوبياً خالصاً، بينما يبدأ بإقصاء الكيان السياسي الأكثر حضوراً وتمثيلاً على الأرض؟! وأي حوار هذا الذي يُفصّل مسبقاً وفق رغبات الراعي الخارجي ثم يُطلب من الجنوبيين التصفيق له باعتباره “فرصة تاريخية”؟
إن محاولة تصوير المملكة باعتبارها مجرد وسيط محايد، تتناقض مع مضمون الخطاب نفسه، الذي اعترف بصورة غير مباشرة بأن الرياض هي مركز القرار، وهي من تجمع، وتدير، وتمنح المساحات، وتحدد اتجاهات المشهد السياسي. وبالتالي فإن من أراد الحديث بصدق، فعليه أن يعترف أولاً بأن القرار لم يعد محلياً خالصاً، وأن كثيراً من القوى التي تتحدث اليوم باسم الجنوب، تتحرك داخل هامش مرسوم بعناية خارج حدود الوطن.
ثم إن المبالغة في وصف “الحرية” داخل الرياض، بينما يُطلب من الجنوبيين التخلي عن مشروعهم الوطني وقبول إعادة تشكيل واقعهم السياسي وفق الرؤية السعودية، يكشف حجم المفارقة المؤلمة. فالأوطان لا تُبنى بمنح الإقامة السياسية المؤقتة، ولا تُقاس الكرامة الوطنية بعدد الولائم والاستقبالات، بل تُقاس بمدى استقلال القرار واحترام إرادة الشعوب.
والمثير للسخرية السياسية، أن بعض من كانوا بالأمس يرفعون شعارات السيادة والكرامة الوطنية، باتوا اليوم يعتبرون مجرد الرعاية الخارجية إنجازاً تاريخياً، ويقدمون الشكر على إدارة الملف الجنوبي وكأن الجنوب أصبح ملفاً تابعاً لا قضية شعب يسعى لاستعادة دولته وهويته.
إن عدن التي عادوا إليها اليوم، ليست بحاجة إلى خطابات امتنان سياسي، بل بحاجة إلى من يملك شجاعة قول الحقيقة:
أن الجنوب لا يمكن أن يُختزل في بيانات تُكتب في الفنادق، ولا في تفاهمات تُدار خلف الأبواب المغلقة، وأن أي مشروع لا ينطلق من الإرادة الجنوبية الحرة سيظل مشروعاً هشاً مهما حظي بالدعم والرعاية.
فالسياسي الحقيقي لا يُقاس بعدد الصور في عواصم النفوذ، بل بقدرته على حماية كرامة شعبه من التحول إلى ورقة تفاوض في موائد الآخرين.