مداد العاصمة



القصور السياسي في هندسة الحوار اليمني الجنوبي بين القوة والضعف

الثلاثاء - 19 مايو 2026 - 12:29 ص

القصور السياسي في هندسة الحوار اليمني الجنوبي بين القوة والضعف

صوت العاصمة/ بقلم / حافظ الشجيفي


تتقاطع في ضمير التاريخ خطوط متباينة من النزاع البشري، الذي لا تصنعه فوهات البنادق بقدر ما يصنعه كبرياء النفوس وعزة الشعوب، فالحروب في حقيقتها ليست مجرد مواجهات مادية تنتهي بانتصار طرف وانكسار آخر في ميدان المعركة، بل هي صراع إرادات يمتد أثره إلى عمق الوجدان الإنساني، لذلك فان الفكر السياسي يخطئ عندما يظن أن طاولة المفاوضات يمكن أن تكون امتدادا قسريا للحصار أو وسيلة لإملاء الشروط على شعب يرى في قضيته امتدادا لوجوده وكرامته، فالتاريخ يشهد بأن الجلوس حول الموائد السياسية لا يمكن أن يؤتي ثمارا حقيقية إذا استند إلى محاولة إشعار طرف من الاطراف بالهزيمة أو الضعف، أو دفعه نحو مدارات الحوار من منطلق الشعور بالانكسار والاضطرار، ذلك أن تقديم الشعوب للتنازلات لا ينبع قط من الإحساس بالعجز بل من فيض القوة والندية والشموخ البشري، بينما يدفعها الشعور بالاستضعاف إلى رفض الحوار ونتائجه جملة وتفصيلا مهما بلغت التضحيات ومهما كان الواقع...
وتتجلى هذه الحقيقة الإنسانية والسياسية بشكل صارخ في التعاطي مع القضية الجنوبية، حيث يتوهم البعض أن سياسة التضييق والضغط يمكن أن تقود الجنوبيين إلى مقاعد الحوار مع الشماليين وهم يحملون غصة الانكسار، وهو لعمري منتهى القصور الدبلوماسي والسياسي، فالإنسان الذي يتنفس عدالة قضيته ويمتلك حقا بينا معلوما لا يرى في طاولة الحوار مكانا لإعلان الاستسلام أو قبول الإذعان للطرف الآخر لمجرد أنه يظن نفسه الأقوى، فالشعوب الحية تضع كرامتها فوق كل الأهداف والمكاسب المادية، وتفضل المواجهة المستمرة على الجلوس أمام الخصم في موقف الطرف المهزوم الذي يتعين عليه الرضوخ، والجنوبيون عندما يؤكدون رفضهم لهذا النهج إنما يمارسون حقا طبيعيا في الذود عن أنفتهم السياسية، لأن قبول الحوار من موقع الضعف يعد طمسا للحق وتنازلا عن ثوابت لا تقبل المساومة.
وتمضي المملكة العربية السعودية ومن ورائها قوى دولية متعددة منذ شهر يناير الماضي في مسار متعرج يفتقر إلى البصيرة السياسية النافذة، محاولة تطبيق منهج قاصر في تعاملها مع الشعب الجنوبي، يهدف في جوهره إلى محاصرته بالخيارات الضيقة وإشعاره بالحاجة الملحة لتقديم التنازلات لقوى الشمال، وكأن الحوار وسيلة للإجبار لا أداة للتوافق، ويمثل هذا السلوك الخاطئ محاولة بائسة لفرض معادلة مقلوبة تزعم أن القوي يملك الحق بحكم قوته العسكرية أو السياسية حتى لو تجرد من الحجة والعدالة، وهو أمر يستحيل أن يجد له موطئ قدم في الواقع الجنوبي، فالشعوب التي تدرك مشروعية مطالبها ترفض الحوار المسبق مع من يحاورها باستعلاء، وتعتبر أي نتائج تصدر عن هذه الأجواء المشحونة بالضغط باطلة وغير قابلة للحياة والتطبيق على أرض الواقع.
فصناعة السلام الحقيقي تتطلب شجاعة أخلاقية تبدأ بمغادرة هذا السلوك الإقصائي والتعاطي الفوقي، فإذا كانت القيادة السعودية تسعى بحق إلى قيادة عملية حوار ناجحة ومستدامة بين الشمال والجنوب، فإن أولى خطوات النجاح تكمن في تغيير هذه الرؤية القاصرة، والاعتراف الكامل بالندية السياسية والتعامل مع الجنوبيين كطرف أصيل يملك الإرادة والقرار والمشروعية، فالاستمرار في محاولة دفع الشعب الجنوبي نحو مربع الخضوع لن يقود إلا إلى مزيد من النفور والرفض المطلق لكل المبادرات، ولن يحقق النتائج والاستقرار الذي تدعي الأطراف الدولية والسعودية السعي إليه، فالشعوب قد تمنح السلام من موقع الشموخ والاعتراف بوجودها، لكنها لا تمنحه ابدا من منطلق الشعور بالهزيمة او الضعف..



الأكثر زيارة


اليافعي: الصمت السعودي عن إيرادات مأرب يغطّي تمويل دولة ظل إ.

الإثنين/18/مايو/2026 - 12:08 ص

قال المحلل السياسي ياسر اليافعي إن الصمت تجاه ملف إيرادات محافظة مأرب لم يعد مجرد تجاهل أو غياب للشفافية، بل يثير تساؤلات حول مصير موارد ضخمة تُحصّل م


لا بديل للرئيس الزبيدي فصدقه وثبات مواقفه صفات لا يملكها الا.

الإثنين/18/مايو/2026 - 12:49 ص

اقولها للجميع و اثبتتها المواقف الثابتة والمبادئ التي لا تتغير والصمود الذي لا يتزحزح قيد انملة ولم تثبتها المناصب والمواكب والاموال الزائلة لا بديل ل


لقاء عسكري موسّع في منزل اللواء حمدي شكري يؤكد وحدة الصف وتن.

الإثنين/18/مايو/2026 - 07:24 ص

شهد منزل قائد المنطقة العسكرية الرابعة اللواء حمدي شكري لقاءً عسكريًا وأخويًا جمع عددًا من أبرز القيادات الميدانية، في خطوة عكست روح التلاحم العسكري و


بمسند قبلي.. الفقهاء باكازم ينهون قضية إصابة آل هدران المحاث.

الأحد/17/مايو/2026 - 11:14 م

في مشهدٍ يجسّد قيم التلاحم القبلي والاجتماعي وروح الإخاء بين أبناء محافظة أبين، وتجسيدًا لدعوة التصالح والتسامح بين أبناء محافظة أبين التي أطلقها الدك