مداد العاصمة



د. توفيق جزوليت : من الشرعية إلى الهيمنة. " قراءة قانونية نقدية للدور السعودي في اليمن والجنوب"

الخميس - 21 مايو 2026 - 12:24 ص

د. توفيق جزوليت : من الشرعية إلى الهيمنة. " قراءة قانونية نقدية للدور السعودي في اليمن والجنوب"

صوت العاصمة/ كتب / توفيق جزوليت



تُعدّ الأزمة اليمنية واحدة من أكثر الأزمات العربية تعقيداً من منظور القانون الدولي المعاصر، ليس فقط بسبب تشابك أبعادها العسكرية والسياسية والإنسانية، بل أيضاً بسبب ما أفرزته من تناقضات حادة بين الخطاب الرسمي المتعلق بحماية الشرعية واحترام السيادة، وبين الممارسات الواقعية على الأرض.

ومن خلال تتبع مسار الأحداث منذ حرب صيف 1994 وصولاً إلى التدخل العسكري الذي قادته السعودية سنة 2015، يبرز سؤال قانوني وسياسي جوهري هل التزمت الرياض فعلاً بمقتضيات القانون الدولي ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، أم أن مفهوم “الشرعية” استُخدم كغطاء سياسي لإعادة تشكيل موازين القوة والنفوذ في اليمن والجنوب بما يخدم اعتبارات جيوسياسية واستراتيجية؟

إن هذا السؤال يهدف إلى تبني إخضاع السلوك الدولي لمعايير القانون الدولي العام، خصوصاً مبادئ:احترام السيادة؛ و عدم التدخل؛ و حظر استخدام القوة؛ثم الشعوب في تقرير مصيرها.

لا يمكن فهم طبيعة الأزمة الحالية في الجنوب دون العودة إلى حرب صيف 1994، التي يعتبر نقطة التحول الأساسية في مسار الوحدة اليمنية. فالوحدة التي أُعلنت سنة 1990 قامت بين دولتين تتمتعان بالشخصية القانونية الدولية، هما جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية والجمهورية العربية اليمنية، وكان يفترض أن تؤسس لشراكة سياسية متوازنة تقوم على التوافق وتقاسم السلطة والثروة. غير أن حرب 1994 ، أنهت عملياً تلك الشراكة، وأعادت تشكيل الوحدة بمنطق الغلبة العسكرية، وهو ما أدى إلى إقصاء القيادات الجنوبية من مؤسسات الدولة؛ السيطرة على الموارد والثروات؛ إعادة هيكلة الجيش والأمن وفق موازين قوى أحادية؛ وتهميش الإرادة السياسية الجنوبية . منذ ذلك التاريخ، بدأت تتشكل تدريجياً قناعة جنوبية مفادها أن الوحدة تحولت من مشروع سياسي توافقي إلى واقع مفروض بالقوة.

التناقض السعودي بين خطاب الشرعية وممارسة القوة يتجلى عندما أعلنت السعودية إطلاق عملية “عاصفة الحزم” سنة 2015، بررت تدخلها العسكري بأنه جاء استجابة لطلب الرئيس عبد ربه منصور هادي باعتباره الرئيس المعترف به دولياً. غير أن هذا التبرير يثير إشكالاً قانونياً واضحاً، لأن العمليات العسكرية بدأت قبل صدور قرار مجلس الأمن رقم 2216، أي دون تفويض صريح باستخدام القوة وفق الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. وبالتالي، بقي الأساس القانوني الوحيد المطروح هو “التدخل بناءً على طلب الحكومة الشرعية”. إلا أن القانون الدولي يشترط لصحة هذا النوع من التدخل أن تكون السلطة الطالبة تمارس سيادة فعلية؛تملك استقلالية القرار؛ وغير خاضعة لإكراه سياسي أو عسكري.

وفي الحالة اليمنية، كان الرئيس هادي قد فقد السيطرة الفعلية على أجزاء واسعة من البلاد، كما أن إقامته خارج اليمن أثارت تساؤلات قانونية حول مدى استقلالية قراره السياسي.وهنا يظهر أول تناقض في الموقف السعودي ، ففي الوقت الذي رفعت فيه الرياض شعار “حماية الشرعية”، كانت عملياً تعيد تشكيل موازين القوى الداخلية عبر تدخل عسكري مباشر تجاوز حدود الدعم المؤقت لحكومة معترف بها دولياً .وقد بلغ هذا المسار ذروته مع نقل السلطة من الرئيس هادي إلى مجلس القيادة الرئاسي سنة 2022..وفي مرحلة لاحقة، تراجع النفوذ السعودي في اليمن بشكل ملحوظ، حيث أصبح أنصار الله واقعاً سياسياً وعسكرياً مفروضاً على الأرض. ومع تعثر العمليات العسكرية وتراجع فاعلية التدخل العسكري ضمن التحالف، اتجهت الرياض نحو البحث عن مقاربات دبلوماسية وتفاهمات سياسية مع مليشيات الحوثي.

بالنسبة للجنوب شهدت المحافظات الجنوبية نفوذا سعوديا تجاوز حدود الدعم المؤقت، ليتحول إلى شكل من أشكال الهيمنة غير المباشرة.

ويتجلى ذلك في التأثير في تشكيل السلطات المحلية ، إعادة هندسة البنية العسكرية والأمنية؛ التحكم في القرار الاقتصادي والنقدي التدخل في إدارة الموانئ والمطارات؛ ربط المساعدات والخدمات بالولاءات السياسية؛والتأثير في مسارات التعيينات والقرارات السيادية.

ومن منظور القانون الدولي، فإن أي وضع تصبح فيه السلطات المحلية عاجزة عن ممارسة سيادتها بحرية كاملة يثير إشكالية قانونية تتعلق بما يمكن وصفه بـ”الوصاية غير المعلنة” أو “الهيمنة الفعلية”، حتى دون وجود احتلال عسكري مباشر بالمعنى التقليدي

.إن الاستعمار في صورته الحديثة لم يعد قائماً بالضرورة على الاحتلال العسكري التقليدي ورفع الأعلام فوق المؤسسات الرسمية، بل أصبح يأخذ أشكالاً أكثر تعقيداً تقوم على التحكم في القرار السيادي؛ إخضاع الإرادة السياسية؛ السيطرة على الموارد والثروات؛ وصناعة نخب محلية مرتبطة بمراكز النفوذ الخارجي.

ومن هذا المنظور، ما يجري في الجنوب يمثل شكلاً من أشكال “الاستعمار الجديد”، حيث أصبحت السلطة المحلية مرتبطة إلى حد بعيد بالإرادة الإقليمية، وفاقدة للاستقلالية في اتخاذ القرار السياسي والاقتصادي. كما أن استمرار هذا الواقع تحت غطاء “التحالف” و”حماية الشرعية” يكشف تناقضاً واضحاً بين الخطاب السعودي المعلن حول احترام السيادة وبين الممارسة على أرض الواقع.

في ظل هذه التحولات، يطرح الجنوبيون، بقيادة المجلس الانتقالي الجنوبي، مطلب استعادة الدولة الجنوبية باعتباره تعبيراً عن حق سياسي وقانوني مرتبط بمبدأ تقرير المصير.ويُعدّ هذا المبدأ من المبادئ الأساسية في القانون الدولي، وقد كرسته الأمم المتحدة؛ في العهدين الدوليين للحقوق ، وقرارات محكمة العدل الدولية.

إن إعادة الاعتبار للجنوب لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها مجرد استعادة لجغرافيا سياسية سابقة، بل باعتبارها استعادة لحق تاريخي وقانوني وإنساني لشعبٍ امتلك يوماً دولته ومؤسساته وشخصيته الدولية، قبل أن تتحول الوحدة إلى أداة للغلبة ثم إلى فضاء مفتوح للتدخلات الإقليمية والصراعات الدولية. ولذلك، فإن أي سلام عادل ومستدام في المنطقة لن يكون ممكناً ما لم يُعترف للجنوبيين بحقهم الكامل في التعبير الحر عن إرادتهم السياسية بعيداً عن الضغوط والوصاية وإعادة إنتاج الهيمنة تحت أي مسمى كان.



الأكثر زيارة


“لن نترك لكم ثغرة”.. النقيب وليد باعباد يتوعد شبكات الابتزاز.

الثلاثاء/19/مايو/2026 - 11:16 م

قال النقيب وليد باعباد، مدير سجن البحث الجنائي في العاصمة عدن، إن الحملات الأمنية التي تنفذها إدارة البحث الجنائي مستمرة ولن تتوقف، مؤكداً أن الأجهزة


نداء عاجل إلى السلطات المحلية في العاصمة عدن بشأن كارثة الصر.

الثلاثاء/19/مايو/2026 - 11:58 م

تشهد منطقة مدينة الشعب – الحي الدبلوماسي في عدن كارثة بيئية وإنسانية متفاقمة منذ سنوات طويلة، نتيجة استمرار طفح مياه الصرف الصحي في الشوارع والأحياء ا


كرامة: قرار الدولار الجمركي “كارثة اقتصادية” تسحق المواطن وت.

الأربعاء/20/مايو/2026 - 12:12 ص

انتقد الكاتب والمحلل السياسي أحمد سعيد كرامة بشدة قرار الحكومة بتحريك سعر الدولار الجمركي ,ووصف كرامة هذا القرار بالـ “كارثي”، محذراً من تبعاته الخطير


أكاديمي اقتصادي: رفع الحكومة للدولار الجمركي قد يقود إلى موج.

الأربعاء/20/مايو/2026 - 12:30 ص

في خطوة وُصفت بأنها ضمن مسار الإصلاحات الاقتصادية والمالية، أقرّ مجلس الوزراء في اجتماعه اليوم بالعاصمة عدن حزمة من الإجراءات التي تستهدف تحسين أوضاع