حين يُذكر الشعر الشعبي الأصيل، وتحضر الكلمة الراقية الممزوجة بالإحساس والصدق، فلا بد أن يكون للشاعر أبو قيس المشالي حضور يفرض نفسه بكل جدارة واستحقاق. فهو شاعر تميز بأسلوبه العذب، وصوره الشعرية الجميلة، وقدرته الفريدة على تطويع الحروف لتلامس القلوب قبل الآذان.
لقد أبدع أبو قيس في شعر الغزل، حتى أصبحت أبياته تحمل نكهة خاصة لا تشبه سواه، حيث يمتزج فيها الشعور الصادق مع الحكمة والذوق الرفيع، كما برع في مختلف ألوان الشعر الشعبي، فكان شاعرًا يمتلك دهاء الكلمة، وحنكة المعنى، وذكاء الشاعر الذي يعرف كيف يصل إلى المتلقي دون تكلف أو تصنع.
ولعل من أجمل ما يميز هذا الشاعر الكبير احترامه للشعر والشعراء كافة، دون استثناء أو تمييز، بغض النظر عن مستوياتهم الشعرية، فهو يؤمن أن الشعر رسالة سامية، وأن الكلمة الطيبة ترفع من شأن الجميع. لذلك بقي محل تقدير ومحبة بين الشعراء والمتابعين، لما يتحلى به من أخلاق عالية وروح نقية.
أبو قيس المشالي شاعر حصيف، لا يميل إلى الثرثرة أو المناكفات العقيمة، بل يترك لأبياته الحديث عنه، فهو واثق من نفسه، ومن جودة ما يكتبه، لذلك نجده حاضرًا بهدوئه، قويًا بمعانيه، ثابتًا بمكانته الأدبية.
أما على المستوى الشخصي، فهو رجل بمعنى الكلمة، يتمتع بأخلاق رفيعة وتعامل راقٍ مع كل من يلتقي به، صاحب احترام وهيبة وتواضع في آنٍ واحد، مما جعله يكسب محبة الناس قبل إعجابهم بشعره.
ختامًا، يبقى الشاعر أبو قيس المشالي واحدًا من الأصوات الشعرية التي استطاعت أن تجمع بين جمال الكلمة ونُبل الأخلاق، وأن تترك أثرًا جميلًا في قلوب كل من عرفه أو قرأ له، فله منا كل التقدير والاحترام، ونسأل الله أن يديم عليه العافية والتوفيق والسداد.
يقول ابو قيس ويلي عذاب قلبي عذابه
محد بيرثي لحالي في محنته واكتابه
سالت كل العوالم ولا لقيت الاجابه
مدري هل العيب فيني ولا زمان العيابه
حزين عايش لوحدي كانني وسط غابه
خابت ظنوني ونفسي بكل لصحاب خابه
بصبر على ما جرى لي ذي ما حسبنا حسابه باقول لهلي وناسي العيب ضيع صحابه
ياطير بالجو عابر يا معتلي عل السحابة
خذني معك الى بلادي يافع وحشني غيابه
يافع شموخي وعزي وقوتي والمهابه
من فرقته طار حسي والروح والكبد ذابه
لوعتي واشتياقي والعقل فاقد صوابه
لما متى اشم عطره وانشق واقبل ترابه
لا مغترب طاب عيشه ولا هني في شرابه بالغربه اهدر زمانه واحلى ليالي شبابه
ناس في الحب تسعد نفوس تهوى وطابه
وأنا أسير الشواني حطو عليا رقابه
لو غاب بدر الليالي حتى لو الشمس غابه يكفي حبيبي وروحي يكشف عليا حجابه
ابو معتز الخيلي
مؤسس صحيفة " صوت العاصمة "
27 مايو 226م