مداد العاصمة



المجلس الرئاسي: من فوضوية السند القانوني إلى العبث بالتوافق

السبت - 30 مايو 2026 - 12:10 ص

المجلس الرئاسي: من فوضوية السند القانوني إلى العبث بالتوافق

صوت العاصمة/ بقلم: د. أمين العلياني

لكل بناءٍ سياسيٍّ أساسٌ يقوم عليه، فإذا اختلَّ الأساس تهاوى البناء حجرًا حجرًا، ولو شُيِّدت جدرانُه من حديد. وإن أزمة الشرعية في البلاد لا تشبه أزمةً عابرةً في بلدٍ يمر بمخاضاتٍ انتقالية، بل هي انهيارٌ في الأساس ذاته؛ انهيارٌ في الجذر قبل الغصن، وفي السند قبل المتن، وفي الروح قبل الجسد.
ومن هنا يطرح السؤال المؤسِّس: من أين يستمد مجلس القيادة الرئاسي شرعيته؟
إن من يفتش عن إجابةٍ لهذا السؤال في نصوص دستور البلاد، فليعلم أنه يبحث عن شيءٍ غير موجودٍ أصلًا. وبهذا فإن المجلس الرئاسي، بكل ما يمثله من شرعيةٍ هلامية، لم يُستند في نشأته إلى مادةٍ دستوريةٍ واحدة. لم يُخلق بولادةٍ شرعيةٍ عبر قناة الدستور، بل وُلد قيصريًّا، انتُزع من عدمية المسوغ القانوني، ثم أُلبس عباءة "إعلان نقل السلطة" في السابع من أبريل عام ألفين واثنين وعشرين.
ففكرة الإعلان السياسي للمجلس الرئاسي، لا تحمل قانونًا ولا مرسومًا ولا اتفاقيةً مصدَّقة، تتحول فجأةً إلى مصدرٍ للسلطات جميعًا. والأخطر من ذلك، أنه ينصب نفسه حاكمًا على الدستور، فتجده في المادة التاسعة يعلن: "يُلغي هذا الإعلان ما يتعارض مع أحكامه من نصوص الدستور والقوانين". ومن هنا قُتل الدستور لا برصاصة، بل بحبر إعلان، وصار الدستور، الذي يجب أن يكون سيد النصوص، صار عبدًا لإعلان، وهذه هي فوضوية السند في أقصى تجلياتها.
ثم تأتي فوضوية السند من زاويةٍ أخرى لا تقل فداحة، وهي حين فُوِّض الرئيس المنتخب صلاحياتِه للمجلس الرئاسي، ليبدو التفويض في الظاهر وكأنه يسبغ على المجلس رداء الشرعية، غير أنه في العمق القانوني جعل المجلس الرئاسي مجرد وكيل، والرئيس الشرعي مجرد موكِّل. والوكالة، في القانون، عقدٌ قائم على شخص الموكل، فإذا مات الموكل انتهت الوكالة فورًا. وهذا ما حدث: مات الرئيس الشرعي، الموكل الوحيد، فصار المجلس وكيلًا بلا موكِّل، وظلًّا بلا جسد، وفرعًا بلا أصل.
والمسألة الأخطر هي العبث في التوافقية التي أُقيم عليها المجلس الرئاسي. وفكرة "التوافق" هي ما نصت عليها المادة الأولى من إعلان 7 أبريل، حيث تشكل المجلس الرئاسي "استكمالًا لتنفيذ مهام المرحلة الانتقالية". واستكمال المرحلة الانتقالية لا يكون إلا بمشاركة القوى الأساسية التي انطلقت منها فكرة الانتقال السياسي؛ لأن المجلس، بهذا المعنى، لم يكن مجلسًا رئاسيًّا تقليديًّا، بل كان خارطةً سياسيةً مصغَّرة، تحاول أن تعكس توازنات الواقع في البلاد بكل تعقيداته.
ومن هنا فالتوافق ليس شعارًا يُرفع، بل آليةٌ تُحترم وروحٌ تُصان، وإذا أُقصي طرفٌ أساسيٌّ، فإن التوافق يتحول من أداة بناءٍ إلى غطاءٍ للهدم، ومن ضمانةٍ للاستقرار إلى وصفةٍ للتفكك.
إن إقصاء ممثلي قضية شعب الجنوب، وقد كانوا ركنًا ركينًا في بنيان المجلس، ليس حدثًا عارضًا يمكن تجاوزه، بل يضرب فكرة التوافق التي قام المجلس من أجلها.
والأخطر من هذا وذاك، محاولة ملء الفراغ الذي تركه الإقصاء بقراراتٍ فردية. إن رئيس المجلس، وهو في الأصل واحد من ثمانية، يمارس صلاحية التعيين وكأن المجلس جهاز إداري يتبع وزيرًا. ومن هنا فالسؤال الذي يُطرح: هل يملك الفرع ما لا يملكه الأصل؟ إذا كان المجلس الرئاسي نفسه قد نشأ بتوافقٍ دوليٍّ - إقليميٍّ - محليٍّ، فهل يملك رئيسه، الذي فقد المجلس توافقيته، أن يعيد إنتاج هذا التوافق بقرارٍ منفرد؟
ومن هذه الزاوية المتواضعة فإن رئيس مجلس القيادة الرئاسي قد أصبح فاقدًا للأهلية القانونية لإحداث تغييرٍ جوهريٍّ في بنية مجلسه الرئاسي من ثلاث زوايا:
الأولى: أن سنده في التفويض قد انقطع بموت الموكل، فصار كمن يبيع بيتًا ورثه من ميت، قبل أن تثبت له الوراثة.
الثانية: أن التوافق الذي قام عليه المجلس قد انهار، فصار المتصرف وكأنه يتصرف في ملكٍ شائعٍ بلا إذن الشركاء.
الثالثة: أن الآلية التوافقية التي أنشأت المجلس هي وحدها التي تملك إعادة إنتاجه، لا قرار فردي من رئيسٍ فقد شرطه التوافقي.
إن ما حدث ويحدث اليوم ليس مجرد أزمةٍ في الحكم، بل هو انهيارٌ في فكرة الدولة المؤقتة ذاتها. وفي الوقت الذي يجب أن يكون المجلس الرئاسي جسرًا يعبر عن حالات التوافق من حالة الحرب إلى حالة السلام، ومن الفوضى إلى المؤسسات، ومن التشظي إلى الوحدة، غير أن الجسر هذا قد أصبح أداةً بيد غير المفوضين على الأرض والفاعلين في تسيير المرحلة الانتقالية، بل صار بيد قوى تحاول أن تجعل من التفويض أداةً للاستفراد، بحيث لا تساعد على فكرة التوافق التي يجب أن تشهدها الفترة الانتقالية.
ومن هنا فإن فوضوية السند جعلت المجلس الرئاسي كيانًا معلقًا في الفراغ، لا هو متجذر في دستور، ولا هو مستند إلى إرادة الشعب، حتى جعل العبث في التوافق منه كيانًا متناقضًا مع ذاته، مختلًّا في قوامه وتمثيله، مما جعل التوافق اسمًا يحمل التوافق فيما يُمارس الإقصاء.
والحل ليس في مرسومٍ هنا أو تعيينٍ هناك، بل في العودة إلى الشعب مصدر السلطات، أو إلى دستورٍ يُحترم، وإلى توافقٍ حقيقيٍّ لا يُقصي أحدًا ولا يدّعي تمثيل من أقصاه، وكل ما دون ذلك، فعبثٌ في عبث، وجهدٌ ضائع، وبحثٌ عن ماءٍ في سراب.



الأكثر زيارة


عاجل | انف.جار يهز مديرية شقرة في أبين .

الثلاثاء/20/أكتوبر/2026 - 12:50 م

دوّى انفجار، اليوم، في مديرية شقرة بمحافظة أبين، وسط غموض بشأن طبيعة الانفجار وأسبابه. ولم ترد حتى الآن معلومات مؤكدة حول موقع الانفجار أو حجم الأضرار


لماذا لم تنجح الحكومة حتى اليوم في إنشاء قطاع اتصالات مستقل .

الأربعاء/21/أكتوبر/2026 - 02:57 ص

على مدى سنوات الحرب في اليمن كانت الاتصالات التي تسيطر عليها المليشيا الحوثية الكهنوتية منذ إعلان تمردها وسقوط عاصمة اليمن الشقيق صنعاء أواخر العام 20


البنك المركزي اليمني يجمّد أموال 135 شخصاً وكياناً مرتبطاً ب.

الثلاثاء/20/أكتوبر/2026 - 09:41 م

البنك المركزي اليمني يوجّه بتجميد أموال 135 شخصًا وكيانًا وسفينة بحرية مرتبطة بالحوثيين، وحظر التعاملات المالية والتجارية معهم، تنفيذًا لقرار النائب ا


اجتماع موسع في قعطبة يناقش أوضاع المعلمين وتحديات العملية ال.

الثلاثاء/20/أكتوبر/2026 - 10:33 م

شهدت مديرية قعطبة بمحافظة الضالع عقد اجتماع موسع ترأسه وكيل أول المحافظة العميد صالح أحمد صالح، ومدير عام المديرية المهندس عبد الوهاب شايف سنان، للوقو