"ثورة الفرش": عندما يصبح الشارع غرفة النوم الوحيدة لأهالي عدن
الثلاثاء - 09 يونيو 2026 - 12:36 ص
صوت العاصمة/ كتب: أحمد سعيد العمودي
في منتصف ليل يونيو الحارق، لا تسمع في شوارع عدن صوت المكيفات ولا همس المراوح. تسمع فقط أنين الأطفال، وزفرات كبار السن، وهمس الأمهات وهن يهززن أطفالهن على الرصيف.
لأول مرة منذ عقود، تحولت شوارع المعلا والشيخ عثمان وكريتر والمنصورة إلى "غرف نوم جماعية". أطفال رضع، شيوخ بعكاكيزهم، نساء بأطفالهن، وشباب جامعيون.. جميعهم افترشوا الكراتين والأغطية البالية وناموا تحت سماء عدن، هرباً من جحيم لا يُطاق داخل البيوت.
هذا ليس مشهداً من فيلم كارثة. هذه "ثورة الفرش".. صرخة إنسانية مدوية أطلقها من أنهكهم الحر والظلام والعجز. صرخة تقول للعالم كله: وصلنا إلى خط النهاية.
الفصل الأول: جحيم لا يُطاق - الصيف يقتل والظلام يدفن
مع دخول شهر يونيو، دخلت عدن والمحافظات الساحلية المجاورة في معركة بقاء يومية. الأرقام وحدها تروي نصف المأساة:
1. الكهرباء: الظلام قاتل
انقطاعات التيار تتجاوز 10 إلى 14 ساعة يومياً في معظم الأحياء. تأتي ساعتان وتذهب عشر. هذا التذبذب دمر الأجهزة الكهربائية، وجعل المولدات المنزلية حلماً مستحيلاً بسبب سعر اللتر الواحد من الديزل الذي يلتهم نصف راتب الموظف في أسبوع.
2. الحر والرطوبة: فرن مغلق
عدن مدينة ساحلية، الحرارة فيها لا تقل عن 38 درجة، والرطوبة تتجاوز 80%. عندما تنقطع الكهرباء، تتحول الشقق المغلقة إلى "ساونا قاتلة". الهواء يتوقف، الجدران تحتفظ بالحرارة، والنفس يصبح ثقيلاً. أول الضحايا: كبار السن المصابون بالضغط والقلب، الأطفال الرضع، ومرضى الربو والفشل الكلوي الذين تحتاج أجهزتهم للكهرباء 24 ساعة.
3. المياه: عطش في مدينة البحر
مفارقة موجعة. مدينة على ساحل البحر يموت أهلها عطشاً. مضخات المياه توقفت مع الكهرباء، فانقطع الماء عن البيوت لأيام. اضطرت الأسر لشراء "الوايت" بـ 8 إلى 12 ألف ريال للدبة الواحدة. أسرة من 6 أشخاص تحتاج 3 دبات أسبوعياً.. احسبها من راتب 60 ألف.
4. الغذاء والدواء: رفاهية في زمن الانهيار
الرواتب إما متأخرة لأشهر، أو متآكلة بسبب انهيار العملة. كيلو الأرز بـ 3 آلاف، كرتون الدجاج بـ 25 ألف، علبة الأنسولين بـ 15 ألف. النتيجة؟ أسر كاملة تعتمد على وجبة واحدة يومياً، ومرضى يقطعون دواءهم إلى النصف عشان "يمشيهم الشهر".
الفصل الثاني: المعلا تفضح الحقيقة.. الحل ممكن
المشهد الأكثر إيلاماً.. والأكثر دلالة، حدث في المعلا، عندما أغلق الشباب الشارع الرئيسي وافترشوه احتجاجاً على انقطاع الكهرباء، حدث شيئان في نفس الليلة:
1. عاد التيار الكهربائي لأجزاء كبيرة من الحي.
2. انطفأت إنارة الشارع الرئيسي "الخط الساخن" الذي كان يضيء الإسفلت الفارغ فجراً.
هذه الحادثة كشفت حقيقتين في وجه كل من يدعي "العجز":
الحقيقة الأولى: المشكلة ليست في غياب الميغاوات. الميغاوات موجودة لكنها تُهدر.
الحقيقة الثانية: الحل لا يحتاج معجزات، يحتاج "إرادة وعدالة في التوزيع". تحويل الكهرباء من إنارة الشوارع الفارغة إلى بيوت المسنين والأطفال ممكن.. والدليل أمامكم.
لكن أهالي عدن يرفضون أن يكون مصيرهم مرتبطاً بإغلاق شارع أو احتجاج. الناس تعبت من سياسة "الإطفاء والإشعال" حسب المزاج. يريدون حقاً، لا صدقة.
الفصل الثالث: رسالة إلى كل ضمير حي في بلادنا
إلى كل مسؤول، إلى كل تاجر، إلى كل إنسان لا يزال قلبه ينبض.. اسمعوا:
أي دولة في العالم يضطر مواطنوها للنوم في الشارع هرباً من بيوتهم؟
أي منطق يقبل أن مدينة أضاءت بالكهرباء منذ قرن، تخرج اليوم إلى الرصيف هرباً من حر يونيو؟
الدولة لا تُقاس بعدد القصور ولا طول الخطابات. الدولة تُقاس بقدرتها على حماية مواطنها من الحر، وتوفير الماء لطفله، والدواء لمريضه، والراتب لموظفها.
توفير الكهرباء والماء والغذاء والدواء ليس رفاهية نطلبها. هذا هو "العقد الاجتماعي الأول" بين أي سلطة وشعبها. من يعجز عن توفير الحد الأدنى للعيش الكريم، يصعب عليه إقناع الناس بأي شيء آخر.
الفصل الأخير: مطالب لا تتجزأ.. كرامة كاملة أو لا شيء
صوت "ثورة الفرش" واضح ولا يقبل المساومة. أهالي عدن لا يطالبون بنصف حياة، بل بحزمة حقوق متكاملة لا تنفصل:
1. كهرباء مستقرة ومستدامة: جدول تشغيل واضح وعادل، وقود كافٍ للمحطات، وإنهاء كابوس الصيف الحارق الذي يقتل الناس بصمت.
2. رواتب منتظمة وكاملة: كرامة الموظف وأسرته خط أحمر. الراتب المتأخر هو موت بطيء للأسرة كلها.
3. مشتقات نفطية مدعومة ومتوفرة: تنهي طوابير الذل، وتخفض كلفة تشغيل المولدات والمواصلات، وتوقف ارتفاع أسعار كل شيء.
4. سلة غذاء أساسية مدعومة: تحمي المواطن من غول الغلاء وتدهور العملة. لا يمكن لشعب جائع أن يبني وطناً.
كلمة أخيرة.. قبل فوات الأوان
يا كل ضمير حي في بلادنا .. الشعب في عدن صبر على الحرب والحصار والدمار. صبر على الشدائد التي لا تحتمل. لكن صبره ليس بلا حدود. اليوم لم يعد يبحث عن وعود وبيانات. يبحث عن أفعال ملموسة تعيد إليه نومه، وصحته، وكرامته، وثقته بوطنه.
الكهرباء حق. الماء حق. الدواء حق. الراتب حق. الكرامة حق.
وحق الناس في العيش بكرامة ليس منة من أحد.. بل هو واجب مقدس لا يقبل التأجيل ولا التبرير.
فإما أن نكون دولة تحمي شعبها، أو نتحمل جميعاً تبعات قهر شعب صابر. والتاريخ لا يرحم.
حسبنا الله ونعم الوكيل.. والله من وراء القصد.
#عدن_تحترق #عدن_تختنق #ثورة_الفرش #الكهرباء_حق_إنساني #حقوق_عدن #كفاية_معاناة